النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

«إنه الخريف يا صديقي»: نصف ديمقراطية أفضل من ديكتاتورية الشارع!

رابط مختصر
العدد 10305 الإثنين 26 يونيو 2017 الموافق 2 شوال 1438

سألني: كيف تبدو البحرين بعد مغامرة «الربيع» الفاشلة التي خاضتها المعارضة في مواجهة السلطة والمجتمع معًا؟
قلت: هي ليست بمغامرة، وإنما هي وثبة عدمية، كلفت البلاد والعباد أثمانًا باهظة، وغير ضرورية. ولكن هذه الوثبة لم تكن ضد السلطة فحسب، بل كانت ضد كافة أطياف المجتمع. فشعاراتها، وحراكها تسببا في أسوأ عملية انقسام اجتماعي شهدته البلاد: زرعت بذور الفتنة والشقاق والشك بين المواطنين، فضلا عن ضحاياها الذين راحوا هدرًا. وتتحمل المعارضة مسؤوليتهم بالدرجة الأولى. هذا إضافة إلى الخسائر المادية الهائلة، وتعثر حركة التنمية، وخسران الوظائف، وانتشار ثقافة التعدي على القانون والثوابت الوطنية الراسخة. ولذلك لا أرى أي ربيع في الواقع ولا في الأفق، في مثل هذه الحركة التي ما يزال الجميع يعاني من تبعاتها، من دون أن يشعر المتسببون فيها، بأنهم ارتكبوا أي خطأ. بل ولم يشعروا - بالرغم من مرور أكثر من 6 سنوات على الأزمة - أنهم في حاجة إلى مراجعة أو تقييم لما أقدموا عليه من أفعال ومواقف جنونية.
قال: نحن نسمي ما أقدموا عليه مغامرة، وأنت تسميه وثبة عدمية، ولكنهم يسمونه ثورة تندرج ضمن ما يسمى بالربيع العربي الذي ركبته قوى أجنبية لفرض تغييرات جيو-سياسية في المنطقة. فهل يمكن أن نسلم بادعاءاتهم بان ما حدث في البحرين يندرج ضمن توصيف الربيع العربي؟
قلت: إنه الخريف يا صديقي... فلم تكد البحرين في أي حاجة لمثل هذه الوثبة العدمية، فقد كانت كافة المؤشرات الحقوقية والسياسية والتنموية في 2011م تؤشر إيجابيًا إلى أن البحرين قد خطت خطوات متقدمة بالشكل والمضمون في مختلف جوانب الحياة، من أجل تحقيق توازنات المجتمع عبر التمسك بمجتمع عادل ومنسجم يجد فيه الجميع مكانا، فكان مفهوم التوازن وتكافؤ الفرص السمة البارزة في هذا المشروع: التوازن في الإصلاح بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية حيث تميز بالتوازي والتناسق في المقاربة انطلاقًا من الإيمان بمبدأ التلازم بين الإصلاحات السياسية الرامية إلى إرساء نظام ديمقراطي تعددي يضمن الحريات ويصون حقوق الإنسان، والإصلاحات الاقتصادية التي تنشد تركيز اقتصاد متحرر تنافسي متفتح على العالم متوثب لرفع تحديات العولمة والانخراط فيها واستغلال ما تتيحه من إمكانات لخدمة الإنسان، والإصلاحات الاجتماعية التي تتأسس على تأمين الحقوق الأساسية التي تجسم العدالة الاجتماعية وتشيع التضامن والانسجام والاستقرار، فكانت من نتائج هذا التوازن تحسن جذري وملموس في كافة المؤشرات التي تهم تنمية البشرية، حيث حصلت البحرين خلال السنوات القليلة الماضية على مراكز متقدمة في أكثر من مجال.
قال: أتفق معك في ذلك، ولكنهم يقولون بأنهم أيضا دعاة إصلاح وإنهم يريدون حياة ديمقراطية كاملة وبرلمانًا كامل الصلاحيات، وأنهم ضحايا القمع السياسي والأمني؟
قلت: السلطة لم تمنع الناس من أي أمر إلا ما منعه القانون أو حرمه محرم، لا قبل هذه الوثبة العدمية ولا أثناءها ولا بعدها. فالدستور والقانون نظما الحقوق والواجبات، والدولة حاولت قدر الإمكان التوسط بين تطبيق القانون واحترام حقوق المواطنين. ولذلك فإن تطبيق القانون لا يعني حرمان الناس من حقوقهم المقررة، كأداة للتعبير عن الرأي، ولكن الذي حدث أن هؤلاء تجاوزوا حدود التعبير عن الرأي إلى إثارة الفوضى والتعدي على الناس والقانون، وقطع الطرق والعمل على التحكم في حياة الناس، وممارسة أشكال من العنف. هذا بالإضافة إلى أن هذه الجماعات التي تزعمت هذه الحركة في الشارع باسم الديمقراطية والإصلاح أحيانا وباسم الثورة أحيانا أخرى، وباسم إسقاط النظام في أغلب الأحيان، قد تجاهلت ان الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب بكافة اطيافه ترفض هذه الممارسات والافكار، وخاصة ديكتاتورية الشارع التي تتزعمها فئة صغيرة ترغم الأغلبية الصامتة على الخضوع لإرادتها وحمل المجتمع حملاً على مشروعها السياسي الطائفي، فالعمل السياسي الإصلاحي طويل المدى، طويل النفس، يصوغ خطابه بشكل توافقي، وينهض على أساس من التدرج في تحقيق المطالب الإصلاحية.
قال: كم مرة تحدثنا عن حتمية الخروج من النفق التي أوقعت فيه المعارضة البلد في الوقت الذي تدعي فيه البحث عن الإصلاح؟ ولكنهم كانوا يرفضون الاستماع إلى أي صوت آخر غير أصواتهم، لأنهم لا يريدون الخروج من النفق الذي أدخلونا فيه.
قلت: هم لا يستمعون لأحد، إلا لحلفائهم في الداخل والخارج، لأنهم يعيشون في فقاعة الوهم، سجنوا فيها أنفسهم خارج نطاق العالم الذي لم يعودوا يعيشون فيه. فقد ربطوا أنفسهم بدائرة مغلقة من الأفكار والأحلام والشعارات. ورفضوا الاستماع إلى أصوات شركائهم في الوطن، لأن هؤلاء الشركاء «موالون» في أحستن توصيفاتهم. يتحدثون عن الإصلاح والصلاح نظريا، ولكن أفعالهم تسير في اتجاه معاكس تماما، لأنها تتمحور حول الانقلاب على الدولة، وعلى الثوابت التي سبق وأن أجمع عليها الناس. وعملوا على قطع أوصال المجتمع والوحدة الوطنية. يعتبرون ما تحقق في البحرين في العقد الماضي إصلاحا ولا يعتبرون المكاسب التي تم انجازها شيئًا مذكورًا، مع اننا بدأنا التحرك نحو الإصلاح في وقت مبكر وقبل موجهة ما سمي بالربيع العربي بنحو عشر سنوات، وأننا حققنا نوعًا مناسبًا ومتوازنًا في الحياة الديمقراطية الملائمة لمجتمعنا، وحتى ولو افترضنا أننا حققنا نصف ديمقراطية فهو أفضل ديكتاتورية الشارع والفوضى، ومن تلك الوثبة التي يعدوننا بها.
قال: قد يكون المطلوب في المرحلة المقبلة، بعد إحباط محاولة الانقلاب، هو البحث عن مخرج، ولن يكون ذلك إلا باتفاق على استعادة الثوابت، من أجل تعزيز الوحدة الوطنية على أساس برنامج وطني، وتوطيد دولة القانون، وهذا الأمر يحتاج إلى مغادرة الخنادق إلى فضاءات مفتوحة من الحوار الصريح والمراجعة والاعتراف بالخطأ، بما من شأنه استيعاب التشنج والخوف والشكوك وانعدام الثقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها