النسخة الورقية
العدد 11125 الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 الموافق 25 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

رمضان.. كرم الله على أمة محمد

رابط مختصر
العدد 10296 السبت 17 يونيو 2017 الموافق 22 رمضان 1438

أعتقد أنني تأخرت كثيرًا في الحديث عن رمضان كما هي عادتي السنوية عندما يهل علينا الشهر الفضيل، ولعلي أعتذر عن هذا التأخير بسبب الأحداث السياسية خلال الفترة الماضية وهي الأحداث التي شدتنا جميعًا ولم تنتهِ تداعياتها حتي وقتنا الراهن وربما تمتد لفترة ما لم تحكم بعض الأطراف العقل.. نعود لرمضان وأيامه ولياليه التي تكاد تنتهي وكأننا عشنا أيامه الماضية في غفلة، وإن كنت أود أن أحكي عن ذكريات وحكايات رغم ضيق المساحة، ولكني سأستعين بقصة كتبتها من قبل في رمضان أيضًا. القصة لامرأة ذهبت إلى الملك داوود عليه السلام وسألته بغضب: يا نبي الله.. أربك ظالم أم عادل؟. لم يتوقع داوود السؤال هكذا من المرأة التي سنعرف سر غضبها لاحقًا، فرد عليها: «ويحك يا امرأة إنه العدل الذي لا يجور». ثم أراد أن يستفسر منها أكثر فأردف قائلاً: «ما قصتك؟». فسردت المرأة قصتها وقالت إنها أرملة ولديها ثلاث بنات تصرف عليهن من غزل يديها، فلما كان أمس شددت غزلي في خرقة حمراء، وأردت أن أذهب إلى السوق لأبيعه لأشتري طعامًا لأطفالي، فإذا بطائر قد انقض عليَّ وأخذ الخرقة والغزل وذهب، وبقيت حزينة لا أملك شيئًا أشتري به الطعام لأولادي. وبينما المرأة تحكي قصتها لداوود عليه السلام، إذا بالباب يطرق عليه فأذن للطارق بالدخول، وإذا بعشرة من التجار كل واحد يحمل بيده مائة دينار.. فقالوا يا نبي الله أعطها لمن يستحقها. فقال لهم داوود عليه السلام: «ما سبب حملكم هذا المال؟». فقالوا يا نبي الله، كنا في مركب فهاجت علينا الريح وأشرفنا على الغرق فإذا بطائر قد ألقى علينا خرقة حمراء وفيها غزل، فسددنا به عيب المركب فهانت علينا الريح وانسد العيب. ثم نذرنا لله أن يتصدق كل واحد منا بمائة دينار، وهذا المال بين يديك فتصدق به على من أردت. فالتفت داوود عليه السلام إلى المرأة وقال لها: «رب يتاجر لك في البر والبحر وتجعلينه ظالمًا».. وأعطاها الألف دينار لتنفقها على أطفالها.
مبعث اعتزازي بتلك القصة، لأنها تذكرني دومًا بفضل الله علينا جميعًا، فما بالنا بأفضاله ونعمه التي لا تعد ولا تحصى في رمضان المبارك، ناهيك عن المغزى المهم وهو ضرورة أن نحسن الظن بالله العاطي الوهاب الرزاق الكريم، فليس بعد عطائه عطاء ولا بعد كرمه كرم، فسبحانه الذي يأمر الطير بخطف الخرقة والغزل لينقذ المركب، ثم يجود بصدقة ركابها للمرأة الفقيرة لتعودة غانمة رابحة ببركة الله وبخير لم تكن تتوقعه بل لم تحسن الظن بربها.
إن حكاية تلك السيدة مع النبي داوود لتدلنا على فضل شهر رمضان، فكله خيرات ولكن علينا أن نعمل ونجتهد في العبادات أولاً حتى يمَّن علينا المولى عز وجل بفضله وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وبرحمته ومغفرته والعتق من النار.
وبمناسبة حكاية هذه المرأة الفقيرة، فنحن أولى بأن نستغل هذه الأيام العشرة الأخيرة من رمضان المبارك لنتدبر المعاني الكامنة والدروس المستفادة من تفسير الآية الكريمة (يتيمًا ذا مقربة أو مسكينًا ذا متربة) سورة البلد. ونعلم جميعًا بأن المقصود بقوله تعالى: «يتيمًا ذا مقربة» أي أنه توجد قرابة بينك وبين اليتيم، حتى تجتمع له صدقة وصلة، وبما أن ثمة اختلافات كثيرة بين «القربى والقرابة والمقربة»، فإن المقربة تقع في منزلة وسط بين القرابة التي تتضمن النسب وبين القربى التي قد تعني النسب وصلة الرحم. ولهذا يشير معني قول الله تعالى: «ذا متربة» في اللغة العربية، إلى الفقر الشديد والمسكنة، لكثرة عيال أو غلبة دين أو سوء معيشة، وهو ما يتطلب منا الإسراع بالصدقات في هذا الشهر حتي نسد جوع ونروي ظمأ الجوعى والعطشى من فقراء المسلمين في كل أنحاء الأرض.
إن المولى زرع فينا صفاته ولكن بقدر معلوم طبعًا، فرحم المرأة سمي هكذا من اسم الله الرحمن، حيث تعيش النطفة والجنين في مكان آمن يتوفر لها سبل الحياة لحين يخرج إلى هذه الدنيا. وهكذا وهب المولى عز وجل بعضنا الكرم والجود، والرحمة والتسامح، والحكمة والعقل، فكل البشر بهم من صفات الله ويجب حسن استغلالها والعمل بها وتكريسها في أسرهم ومجتمعاتهم وبلدانهم، حتى يعم الخير والسلام والطمأنينة في كل ربوع المعمورة بإذن الله. ولكن العيب في البشر الذي يتقاتلون ويتشاحنون ويتخاصمون ويكنزون الذهب والفضة في حين أمرنا الله ببذل الغالي والنفيس لوجه الكريم، وما قللت الصدقة من مال أبدًا فيضاعفها الله ما يشاء. وعندما سنَّ ربنا الكريم لنا شهر رمضان أمرنا بالتقوى والتصدق حتى ختم لنا الشهر الفضيل بزكاة الفطر وكانت علينا فريضة لا يقبل صيامنا إلى بسدادها وإلا ضاع صيامنا هباء. كما وهبنا العاطي الوهاب بل وأنعم علينا كمسلمين بهذا الشهر الفضيل ليضاعف لنا فيه الأجر والثواب في كل الأعمال، فحثنا أولاً على العبادة والطاعة، ثم يغفر لنا ويرحمنا، وليكن البذل والجود والتواصل والتراحم سمة ظاهرة في المجتمع في الشهر المبارك ووسيلة لتهذيب النفس وتربيتها على الجوع والعطش في سبيل الله، وعلى اتخاذ الزهد منهج حياة، وعلى التسامح، ليسود الحب بين الجميع.
ولا أعلم وأنا أتحدث عن هذا الشهر الفضيل، يجرني قلمي جرًّا للحديث عن وحدة العرب والمسلمين، وأمثلتنا كثيرة في تاريخنا الإسلامي وكم من حروب انتصر فيها المسلمون وهم صائمون ولعل أحدثها حرب اكتوبر المجيدة التي حقق فيها المصريون نصرهم الكبير على الجيش الإسرائيلي وكانت صيحة «الله أكبر» عابرة لقناة السويس ومن علامات النصر المبين، ونتذكر كيف اتحد العرب على كلمة سواء، وتوحدت رؤاهم فكان النصر للعرب أجمعين، فالنصر يأتي عندما تتوحد كلمة المسلمين تحت راية واحدة، وما ينجم عن هذه الرؤية الواحدة من تضامن العرب والمسلمين وتعاونهم جميعًا في تحقيق مصالحهم من خلال التنسيق لمواجهة كافة التحديات، وبحيث تتبلور الرؤى الجماعية لتتحدى أي نذر سيئة قد تأتي من هنا أو هناك. ومن هنا، يكون الاتحاد عبارة عن طرح كافة الخلافات على مائدة الحوار والبحث والمناقشة لتجاوز تلك الخلافات بأسلوب منطقي حتى لا تصاب الأمم بالضرر، فميزة الاتحاد يجب أن تجب نذر الخلافات. فنحن نعيش في الوقت الراهن عصر التجاذبات والأحلاف، ويجب النأي عنها، وعدم الانخراط في أزمات إقليمية تفرضها علينا أطراف خارجية، وكفى ما تعرضنا له من فرقة كادت تقضي علينا. ويكفينا نحن معشر العرب والمسلمين أن الإسلام يجمعنا ولغتنا واحدة وهي لغة القرآن الكريم، هذا القرآن الذي اشتمل على كافة النصوص التي تبين لنا جميعًا كيف نكون يدًا واحدًا. ومن نعم المولى عز وجل علينا نحن معشر العرب والمسلمين، أن لدينا الكثير من الروايات التي تبعث فينا الأمل إذا أخذنا بوحدة القيادة ووحدة الكلمة، فالأمة الإسلامية يشهد لها التاريخ كيف كانت قوية وعصية على الخضوع لأي قوى أجنبية طالما اتفقت على كلمة واحدة، وكانت قيادتها موحدة وحكمت بين الناس بالعدل.
وحري بنا في الشهر الفضيل ونحن أمة محمد أن نسترشد بما أرشدنا به رسولنا الكريم من أن المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، هذا في وقت نواجه فيه أزمات ومخاطر عاتية تتطلب جميعًا ضرورة استلهام الحديث النبوي لكي تستمر وحدة المسلمين ولمّ الشمل العربي والإسلامي.
ولدينا أيضًا من القصص الكثير عندما انتشرت الفرقة والخلافات بين المسلمين فتمزقت الأمة وصارت دويلات متنازعة، وتفرقت كلمتهم وتعددت راياتهم، وصار لكل إقليم من بلاد الإسلام إمام وقائد. فرأينا للأسف أوضاعًا لم تكن موجودة أيام قوة الإسلام وفتوحاته الضخمة، ورأينا للأسف أيضًا أن الفقهاء ومعهم الأئمة اجتهدوا في البحث عن مسألة تعدد أئمة المسلمين وأمراء المؤمنين.
وقبل الختام، أذكر نفسي وعباد الله بأننا نعيش أيامًا مفترجة ونحن نتحرى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، مذكرًا بفضل هذه اليلة العظيمة التي تعد، منحة ربانية لأمة الرسول الكريم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، وهي موسم الخير لنا والتي يعد القرآن الكريم أحد فضائلها حيث نزل في ليلة القدر.
 ودعائي الى الله عز وجل أن ينولنا إياها وليكن سيد المرسلين شفيعًا لنا لنجزي خير الجزاء على صيامنا وقيامنا.
 عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيمامة
يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه يقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه. فيشفعان».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها