النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

فنون هضم الطعام.. وبرامج المقالب في تليفزيون رمضان

رابط مختصر
العدد 10296 السبت 17 يونيو 2017 الموافق 22 رمضان 1438

تعود معظم المسلمين أن يعتبروا شهر رمضان من كل عام، من بين شهور الإجازات التي لا يقومون خلالها بأى عمل، ولا يشغلون عقولهم بالتفكير في أى قضية، وأن يكرسوا كل جهودهم في الامتناع - نهارًا - عن شهوة الطعام، لكى يشعروا بلذتها مضاعفة عند الإفطار، ثم يخصصوا الفترة ما بين الإفطار والسحور لمتابعة برامج التسلية والترفيه التي تزحم شاشات التليفزيون، وتعد خصيصًا لهذا الشهر الكريم من المسلسلات إلى برامج المقالب، ومن المسابقات التي لا تحتاج إلى أي ذكاء لحلها، إلى برامج الغيبة والنميمة، التي تحرمها الشريعة الإسلامية إلى غير ذلك، مما أطلق عليه الكاتب الراحل «يوسف السباعي» اسم «فنون هضم الطعام»، وهي فنون لا تتطلب تركيزًا من المشاهد، الذي يكسل عقله عن العمل، بعد تناول الإفطار، بحكم أن الدورة الدموية، تنسحب إلى المعدة المتخمة بالطعام، لكي تساعدها على القيام بمهمتها الشاقة في هضمه.
لكن الاستمتاع بهذا النوع من الفنون، لا يحول بين بعض الصائمين وبين استغلال ما تبقى من قدرتهم على التفكير، في إشعال المناظرات الفكرية، حول ما يتعلق بها من قضايا ليس أولها الاعتراض التقليدي - الذي يتكرر كل رمضان - على تحويل الصيام من فريضة دينية سامية - يهدف منها الشارع، إلى تدريب الصائم، على التعاطف مع الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يشبع جوعهم، إلى سلوك دنيوي مبتذل، يستهدف مضاعفة استمتاع الأثرياء والقادرين بلذة الطعام من باب إغاظة هؤلاء الفقراء.. وليست آخرها تلك المناظرات الحادة، التي تدور - عادة - بين صناع المسلسلات الدرامية التي تتخذ من وقائع التاريخ العربي والإسلامي موضوعًا لها، وبين الذين عاصروا وقائعها أو كانوا شهودًا على بعضها، وهي مناظرات تتبادل خلالها كل أطراف الاتهام بتزوير التاريخ، وتشويه رموز الأمة، وتضليل الأجيال الجديدة من أبنائها الذين لا يعرفون شيئًا من تاريخ هذه الأمة، ولا يجد فريق ممن يتابعونها، وسيلة لإيقافها، إلا مطالبة السلطات المختصة، بأن تسود شاشات التليفزيون خلال شهر الصيام، حتى لا تشغل فنون هضم الطعام - بهذا اللغو - الصائمين عن العبادة!
والحقيقة أننا نظلم شهر رمضان، ونظلم التليفزيون، حين نعلق كل الأخطاء التي تقع فيها فنون هضم الطعام، في عنق كل منهما، ونتجاهل أن معظم طقوس العبادات في الأديان السماوية، وغير السماوية، قد ربطت دائمًا بين الدين والدنيا، وبين العبادة والتجارة، وحين ننسى أن منظومة من التقاليد الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية من الفنون الشعبية، قد نشأت - وتطورت مع الزمن - منذ فرض الصيام على المسلمين، والذين لم يعرفوا التليفزيون إلا منذ ستة عقود، ولكنهم عرفوا قبله بقرون جلسات المسامرة التي كان الأثرياء والأعيان يعقدونها في أجنحة خاصة من دورهم في ليالى الشهر الكريم، لكى يستمعوا إلى قراء القرآن الكريم، ومنشدى التواشيح الدينية، ويتبادلوا المناقشات في الأمور الخاصة والعامة، ويعقدوا جلسات الصلح بين المتخاصمين، كما عرفوا اللقاءات التي كانت تضم الفئات الوسطى والشعبية في المقاهي، لكى يستمعوا إلى عازفي الربابة، وهم ينشدون السير والملاحم التاريخية، في حلقات متسلسلة لا تقل إثارة عن مسلسلات التليفزيون، من «سيف بن ذى يزن» إلى «عنترة بن شداد» ومن «السيرة الهلالية» إلى «سيرة الظاهر بيبرس»، وحين عرفوا الراديو، حل في المقاهى والبيوت، محل الشاعر الذي كان يروى هذه السير والملاحم، وحلت الأغانى والتمثيليات الإذاعية محل الفنون التي كان يقدمها عازف الربابة.. وأضافت الإذاعة إليها فنونا أخرى مثل «الفوازير» و«المسلسلات الإذاعية»، ثم جاء التليفزيون ليضع لمسته على الفنون الرمضانية، ويجمع بين المتعة السمعية والبصرية.. وفي كل ذلك كان المسلمون يجمعون بين الدين والدنيا، وبين الاستماع إلى آيات القرآن الكريم ومواعظ رجال الدين، وبين الترفيه عن أنفسهم وممارسة حياتهم الاجتماعية.
ولا ينفي ذلك أن فنون هضم الطعام، لا تتجاوز أحيانا الخيط الرفيع بين الفن والإسفاف، وبين الضحك والتهريج، ولا تخلط بين ما يجوز عرضه في رمضان، وما لا يجوز عرضه أصلاً، عبر شاشات يجتمع لمشاهدتها كل أفراد الأسرة على اختلاف أنواعهم وأعمارهم.. ومن بينها برامج المقالب التليفزيونية، التي تؤكد قياسات نسب المشاهدة، أنها أصبحت تتصدر خلال السنوات الأخيرة، البرامج التليفزيونية الأكثر مشاهدة في رمضان، ويدللون على ذلك بكمية الإعلانات التي تتخللها وارتفاع أسعار بث هذه الإعلانات إلى أرقام فلكية، وحرص القنوات التي تعرضها على أن تخصص لعرضها أفضل أوقات المشاهدة، وهو الوقت الذي يعقب مباشرة إطلاق مدفع الإفطار.
ومشكلة هذا النوع من البرامج، هو أنه يسعى لوضع ضيوفه - ومعظهم من نجوم السينما والمسرح والرياضة - تحت ضغط حالة من حالات الرعب المفاجئة، مثل تعطيل محركات طائرة في الجو، أو الوقوع في رمال متحركة، أو التعرض لحيوانات مفترسة، أو الاقتراب من حافة الجبل.. إلخ وتصوير ردود أفعالهم، ليكتشفوا بعد فاصل تتصاعد خلاله صرخات استغاثتهم أنهم كانوا ضحية مقلب أوهمهم بأنهم يتعرضون لمخاطر حقيقية بهدف قياس شجاعتهم، وهو ما يدفعهم عادة للهجوم على مقدم البرنامج لكي يضربوه، أو يوجهوا إليه ألفاظ سباب مفزعة وسط ضحات المشاهدين، وبصرف النظر عن أن الشبهات الكثيرة التي تحيط بهذا النوع من البرامج، تؤكد بأن النجوم الذين تستضيفهم، يكونون - غالبا - على علم مسبق بتفاصيل المقلب، وأن ردود أفعالهم عليه التي تتسم بالمبالغة في إبداء مظاهر الرعب، أو المبالغة في الغضب من مقدمه، هى مجرد تمثيل لإيهام المشاهد بأن ما يعرض عليه حقيقي، فإن استمتاع المشاهدين بمتابعتها، على نحو يجعلها تتصدر نسب المشاهدة، يعكس جانبًا من القيم الخلقية الفاسدة، التي تروج لها بعض فنون هضم طعام الإفطار في رمضان، ومنها أن تحول الصيام من فريضة دينية سامية استهدف منها الشارع أن يدرب الصائم نفسه على التعاطف مع الذين يتعرضون للفزع والرعب والإرهاب، إلى سلوك دنيوي مبتذل يستهدف إظهار الشماتة بهم، والسخرية مما يتعرضون له من بلاء وإرهاب!

ينشر بالترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها