النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

معضلة قطر وحالة تضخم الذات (1)

رابط مختصر
العدد 10294 الخميس 15 يونيو 2017 الموافق 20 رمضان 1438

بدت «تفاحة قطر» تذكرنا بنيوتن واكتشاف جديد لتفاحة ارخميدس وهو يصرخ يوريكا.. يوريكا (وجدتها.. وجدتها) مثلما برهنت الالهة ان قضم تلك التفاحة في الجنة نوع من المعصية الالهية، كما اعتقد قادة قطر مثل الامازونيات الاغريقيات في الميثولوجيا اليونانية أن التفاحة لونها ذهبي وليس أحمر أو أصفر أو أخضر، وبحاجة الى سهم اكثر مهارة من ذاك السهم الذي قتل اخيل من كعبه، وهي التي كانت نقطة ضعفه.

ما حدث في قطر ليس معجزة في عالم السياسة، فلكل علم قوانينه، ولكن قوانين الغليان والانفجارات هي تراكمات كمية تنتقل الى مرحلة نوعية، وما حدث من قرار كان الخيار الاخير الذي وجدت الدول الثلاث امرا صعبا لا بد منه لكي تبرأ جراح الالم البعيد العميق في كيان مجلس التعاون الخليجي. لا تلجأ الدول لقرارات تاريخية مصيرية إلا عندما تنسد في وجهها كل الابواب والنوافذ ابتداء من وساطات وحوارات معلنة وخلف الكواليس بين الاعضاء الستة في اية خلافات وتباينات تطرح سنويًا ودوريا في اجتماعات القمة. العارفون ببواطن الامور لم يكونوا في حالة دهشة او استعجاب، بقدر ما كان الانسان العادي في تلك المجتمعات بعيدًا عن (فرن الخباز!) لهذا لم يتحسسوا حتى الوهج الخفيف لحرارة ذلك التنور. 

من وجهة نظري المسألة لكل ما حدث ما هو إلا الحصيلة النهائية للتطورات التاريخية في المنطقة منذ عام 1971 عام استقلال بعض بلدان مجلس التعاون حتى عام 2017 عام قمة الرياض التاريخي، فكيف بإمكاننا ان نقرأ الملف القطري ومواقفه المتعرجة المزدوجة ضمن مسيرتها الذاتية وضمن عضويتها في مجلس التعاون وبوضعها الاقليمي والدولي خلال العقود الاخيرة. وكيف تحولت قطر الدولة الصغيرة المنسية الى دولة صوتها يتعدى حجمها الفعلي ببركة (بوق الجزيرة !!) الاعلامي وهي تذكرنا بابواق اريحا في التوراة وكيف حاولت تلك الابواق هد تلك الاسوار. وكانت الابواق نداء رمزيا للحرب بين القبائل والشعوب المتجاورة حينذاك في فلسطين. دون شك نحن بحاجة لفك سؤال حالة تضخم الذات عند قطر كدولة صغيرة لمجرد انها دولة نفطية غنية ؟ هل هذا يمنحها قدرة وسطوة لعب دور أكبر من حجمها الاقليمي من خلال تلك الشيكات والارصدة الموزعة هنا وهناك؟ هل معنى ذلك ان مصر بكل ثقلها التاريخي مجرد (ورقة اخوانية) في حاضنة قطر فقط لكونها تمر بمشاكل سياسية واقتصادية؟. 

علينا ان لا ننسى التاريخ بجرة قلم، فمصر هي النسر العربي الذي جناحاه مفرودان في الجانبين الافريقي والآسيوي ومعني بقضايا العرب المصيرية. فما هكذا تقاس القدرات الاقليمية وقوة بلدانها من خلال براميل النفط والغازات المسيلة عبر انابيب البورصة السياسية. 

دعونا نرى لماذا ادخلت قطر نفسها وهي تتطور وتنمو في خنادق الخلاف مع دول عدة وبالاخص محيطها الجغرافي الخليجي. منذ صيف عام 1971 باتت سيادة دول خليجية محكومة بحل مشاكلها وخلافاتها الحدودية فيما بينها، فهناك مشاكل عمانية - إماراتية وقطرية ـ بحرينية، وسعودية ـ قطرية، وإماراتية ـ قطرية، تلك المشاكل كانت تعالج بعيدًا عن قرقعة السلاح ولكن بالحسن والهون والحكمة، وظل عقد كامل تتراوح فيه النقاشات كما هو زحف السلحفاة، والدول لم تكن ملامة فهي منشغلة بأوضاعها الداخلية وبالاخص التنمية، بين عامي 71ـ81 كانت حرب اكتوبر بركة على دول النفط الخليجية، حيث قفز برميل النفط مرتين 74 و76 بصورة خرافية ودخلت في ميزانية تلك الدول الملايين ومن ضمنها قطر، فتحرك قطارها كالبقية نحو تنمية مجتمعها الراكد المعزول، ولكن توتر القضية الحدودية لم يتحرك ملفها بشكل ايجابي، ولكن الثورة الايرانية 79ـ81 كشفت لقطر وغيرها ان الاطماع الايرانية التوسعية ليست نزهة خميني الحالم وانما مشروع ايديولوجي، يتجاوز حدود الدولة الصفوية الجديدة. ثماني سنوات 81ـ88 وقطر تشهد وتعلم عمق الحرب وابعادها، ولكنها لم تكن مهددة لا من صدام قبل الحرب ولا من ايران عند اندلاع الثورة، فالبحرين وحدها من كانت اصابعها تحترق من الاطماع الايرانية كجزء من اراضيها كما كانت تدعي، فيما الامارات معنية بمعالجة هادئة منذ الشاه وبعده حول جزرها الثلاث السليبة.

جاءت ولادة مجلس التعاون الخليجي ضمن نتائج الحرب العراقية الايرانية وهي نتيجة دوافعها تفرز ضرورة امنية لدول خليجية حديثة تتطلع لتنميتها فيما هناك حرب ضروس بالجوار بين العراق وايران كقوتين اقليميتين، وبين الخيار الاسلامي والقومي، كان على مجلس التعاون ان يتحرك وما أصعب ان تتحرك بين الرمال المتحركة، ولكن كان الخيار التاريخي لدول مجلس التعاون مساندة العراق في حربه مع ايران، ولم تكن قطر لاعبًا أساسيًا كما الكويت والمملكة السعودية او معنية من حيث القلق والتوتر مع جارتها ايران كما هي الامارات والبحرين، وإنما تركت المسافة والعلاقة بينها وبين ايران بنفس مستوى علاقاتها بالمنظومة الخليجية ويا للعجب.

مثل تلك المواقف تزعج دول اعضاء في تجمع امني سياسي مشترك، ومع ذلك تم هضم الموقف القطري المشاكس على انه خيار دولة عضوة ولها تبايناتها، وترديد مفردات ببغاوية من نمط ايران دولة مسلمة وتربطنا بها علاقات جوار، رغم ان لا احد في دول مجلس التعاون قال غير ذلك، ولكن المهم ما لم تقله قطر ان ايران دولة توسعية وعدوانية ولها اطماع تاريخية وحاضرة، ومجرد نكران تلك الحقائق، فإن هذا ليس إلا تسويغ وتبرير ضعيف، غير ان الموقف القطري لم يكن نابعًا عن سذاجة او سوء تقدير في الموقف، وانما من منطلق حساسية تاريخية لم تتجاوزها قطر مع الدول الثلاث، كالقضايا الحدودية وبأن العدو والخطر الذي يهددها هو المملكة وليس ايران، وهي بحاجة لدهليز ايران من اجل اوراقها السياسية في لعبة التوازنات والابتزاز، متناسية ان ذلك لا يجوز فعله في اطار قرارات مجلس التعاون الخليجي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها