النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

ثقافة الخطوط الحمراء..

مواجهة النسبي بالمقدس، والعقلاني بالميتافيزيقي!

رابط مختصر
العدد 10293 الأربعاء 14 يونيو 2017 الموافق 19 رمضان 1438

ما يلفت الانتباه اليوم هو انتشار ثقافة جديدة -حتى بين بعض المثقفين والأكاديميين والمشتغلين بالخطاب بوجه عام- يمكن ان نطلق عليها مسمى «ثقافة الخطوط الحمراء»، وتتجلى في ادعاء وافتعال وجود خطوط حمراء – غير تلك التي حددها القانون واقرتها الثوابت والقيم المرعية -ويتجلى ذلك في أنك، وكلما تكلمت في أمر قيل لك «هذا خط أحمر». وكلما ناقشت فكر أو رأي شخص ما قيل لك هذا الرجل خط أحمر، وكلما ناقشت موضوعًا قيل لك الموضوع مقفل، وغير قابل للتداول فهو خط أحمر. وهكذا نتجه حثيثًا إلى نوع من استبداد الخطوط الحمراء، والذي يحيطنا بدوائر التحريم، إلى درجة ألا يبقى أمر نتداول فيه او نتحدث عنه، حتى عن أنفسنا! 

والحقيقة إن الاستبداد يبدأ من لحظة منع الحق في السؤال والمساءلة! الاستبداد يبدأ من لحظة الإقرار بوجود أجوبة مطلقة ونهائية! الاستبداد يبدأ من لحظة التقديس والقداسة والحديث عن امتلاك الحقيقة الواحدة الوحيدة، ولذلك فإنه عند طرح القضايا السياسية أو الدينية، يعمد البعض إلى الخلط المتعمد بين البعدين الديني والسياسي بصفة انتقائية، وبحسب ما يقتضيه المقام، وفي اتجاه واحد تقريبًا، وهو تسخير الديني لصالح الهدف السياسي، ومواجهة النسبي بالمقدس، والعقلاني بالميتافيزيقي، بما يوقع النسبي والعقلاني في دائرة التكفير في الغالب، وهو نمط من التفكير وأسلوب في الحوار يؤدي في الغالب الى التكفير والى الاحتراب وحتى القتل، ضمن لائحة ثقافة الخطوط الحمراء.

وعليه فإن التوظيف السياسي للدين وتسخير الدين لخدمة الأهداف السياسية يؤدي في الغالب إلى إجراء عملية انتقائية تزيد من تشويش الأمور في أذهان الناس وبناء الالتباسات المعيقة للتنمية السياسية الصحيحة القائمة أساسًا على مبادئ دولة القانون والحقوق والواجبات.

ومن هنا ترتسم عندنا صور افتراضية نمطية، لمقدسات عديدة وجديدة، من خلال صورتين في أذهان عامة الناس: الأولى صورة رجل السياسة، بوصفه «مقدساً» سياسياً، والثانية صورة رجل الدين، بوصفه «مقدساً» دينيا، وبناءً على نمطية هاتين الصورتين، يتصرف الجمهور حيال السياسي والديني باعتبارهما خطين أحمرين، فينتابه الخوف والرهبة. ويكشف واقع الحال أن عمليات شخصنة، واستلاب تجري للجمهور عندنا، كي يفتقد الناس إمكانية التعرف على السياسي والديني في واقعهما الاجتماعي، أي في سياقيهما التاريخي والسياسي، وكي يمكن تحويله إلى مجرد آلة تدار من خلال الشعارات الجاهزة التي تصنف الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين بالمعيار الديني، او إلى صالحين وغير صالحين بالمعيار السياسي، في حين ان الحرية تتناقض مع هذه المعادلة، فالذي يتصدى للعمل السياسي النيابي أو حزبي يجب أن يمتلك برنامجًا سياسيًا واضحًا يجيب على الأسئلة الأساسية للتنمية، بما في ذلك التنمية السياسية ويطرح حلولاً واضحة وواقعية وقابلة للتنفيذ، كما انه حتى وان كان رجل دين بأي معنى من المعاني واشتغل بالسياسة- يجب أن يكون قابلاً للمساءلة عن أفعاله وبرامجه ومقترحاته، حيث لا يُحرم الفرد في مجتمعاتنا من حق السؤال والمساءلة والنقد، بل هي من أبسط حقوق المواطنة وحقوق الإنسان التي أقرتها الأعراف الدولية والدساتير الوطنية.

وفي الخلاصة وما دمنا هنا بصدد سؤال الحرية وسؤال الترشيد، وحتى لا يختلط الحابل بالنابل فتصبح الصورة غائمة، علينا أن نتفق، على أمرين أساسيين:

- الأمر الأول: ما هي هذه الخطوط الحمراء وما هي حدودها؟ ومن يرسمها، ومن هو صاحب القول الفصل فيها؟ وهل يمكن لأي جهة أو فرد أو زعيم حزب أو جمعية، أو رجل دين أو كاتب صحفي أن يقرر من تلقاء نفسه، ولوحده بأن «هذا الموضوع أو ذاك خط أحمر» ؟ أو أن «هذا الشخص أو ذاك خط أحمر دونه الموت»؟ وهل يعقل أن يحدد كل فرد أو جماعة أو جهة أو حزب خطوطه الحمراء الخاصة به ويفرضها على الآخرين، بل على المجتمع كافة؟

وللإجابة هي أن الخطوط الحمراء يحددها الدستور والقانون والقيم العامة والثابتة في المجتمع، والتي لا يجب أن تكون محل ازدراء أو استخفاف أو تجاوز.

- الأمر الثاني: هنالك من يعبر عن خشية حقيقية وواقعية من أن يتم توسع هذه الخطوط الحمراء لتؤثر سلبا على ثوابت الحرية والحقوق المترتبة عليها؟ من ذلك ما نسمع وما نقرأ في الكثير من الأحيان حول خطوط جديدة، حتى كأنها خطوط نار، مثل: قول البعض: العلماء خط أحمر... رجال الدين خط أحمر... الزعماء خط أحمر.... الطائفة خط أحمر... 

في هذه الحالة تكون لدينا مشكلة حقيقية، بجعل كل شيء تقريبا خطا أحمر بمعنى من المعاني، بل الأخطر ان هذه القائمة مفتوحة يوميًا للزيادة، فهي تطول ولا تقصر ابدًا.. وتتسع بحسب الحالة والمقام والظرف، والشعار. ولكن ألا نحتاج هنا إلى إعادة التذكير بمفهوم وحدود هذه الخطوط بالرغم من كونها واضحة ومعلومة وموثقة في الدستور والقانون، في ظل الاجتهادات الكثيرة التي تدخل لنا في كل يوم أمرًا جديدًا بما يصنع مقدسات جديدة غير واردة في قائمة الثوابت المنصوص عليها دستورًا وقانونًا وعرفًا، ومن غير المعقول أن تعامل على هذا الأساس. ولذلك فمن المهم إعادة التأكيد -لمن فاته العلم بذلك أو يقفز فوقه عنوة- أن الوطن هو الخط الأحمر الأساسي، ووحدته واستقراره وأمنه ومناعته واستقلاله خط أحمر، والثوابت التي أجمع عليها الناس في الميثاق خط أحمر، وهوية واستقلال وسيادة البلد خط أحمر.

ومن المؤسف انه نادرًا ما نقرأ ونسمع ذلك صراحة في كثير من البيانات والتصريحات والبيانات التي تعلي من كل شيء، إلا من الثوابت، وهذا ولا شك خلل جوهري يجب تداركه، فالوطن خط أحمر، والقيادة خط أحمر، باعتبارها رمز السيادة والوحدة والضامنة لهما، والمؤسسات الدستورية خط أحمر والقوانين خط أحمر، وكرامة المواطن وحقوقه خط أحمر. والحرية خط أحمر (حرية الرأي والفكر والمعتقد على رأسها.).

همس

صباح بدفء الصيف بين اليقظة والحلم،

والقلب الشاحب ينفض رذاذ الضوء، 

بين هَسْهَسَةِ الليل والشمس المبتردة عند النافذة، 

والقلب الضرير يتلمَّس مرآته. 

أذان الفجر 

يهصر القلب كإغماء جبل ينكفئ على الغيم، 

يقف عند طرفي عينيك، على شوك البنفسج 

عابرًا خطوط الفراغ على وجه الشارة الصامتة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها