النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

سلطة القانون، ومنطق السياسة .. هوامش حول حل جمعية «وعد»!

رابط مختصر
العدد 10291 الإثنين 12 يونيو 2017 الموافق 17 رمضان 1438

أول تعليق حول الحكم بحل جمعية «وعد» جاءني من أحد الأصدقاء اليساريين القدامى، لخصه في المثل العربي القديم: «جنت على نفسها براقش»، وأردف قائلاً: «يا ما نصحناهم ما أحد سمعنا، لقد تجاهلوا نصائح المخلصين، فجرفهم التيار، فأضاعوا تاريخ التنظيم ونضالات اليسار».
قلت للصديق: «شخصيًا لا أريد أن أعلق على حكم القضاء، فهذا أمر لا يمكنني أن أتحدث فيه، ولكن بالمعيار السياسي، فإن إغلاق أي جمعية سياسية ليس بالخبر الجيد بالنسبة للديمقراطية، فضلا عن كونه قد يؤدي إلى عزوف قسم من الناس عن العمل السياسي المنظم، أو الانتقال إلى العمل في الشارع، بكل ما له من نتائج وتبعات سياسية وأمنية سلبية في الغالب. هذا فضلا عن استغلاله وتوظيفه من قبل القوى التي تناصب الدولة العداء ولكن، وقبل ذلك فإن خروج أي جمعية سياسية أو غير سياسية عن مقتضى القانون والنظام، ليس بالأمر الجيد بالنسبة للتجربة الديمقراطية. خاصة إذا كان ذلك الخروج من النوع الذي يتسبب في اضطراب في الحياة السياسية. ومع ذلك فإن السؤال المطروح هو: ما الحل، إذا كانت هذه الجمعية - أو غيرها-مصرة على مخالفة القانون؟ ماذا بوسع السلطة أن تفعل إزاء ذلك غير تطبيق القانون؟ وهل يجوز لها أصلا أن تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث؟!!
قال الصديق: إن أغلب الجمعيات المعارضة قد استفادت من موقعها الذي منحه لها الترخيص القانوني بالعمل السياسي المنظم في التجاوز على القانون وعلى الدولة معا، وذلك اعتقادًا منها أن الحرج الناشئ عن غلق أي جمعية سياسية بالنسبة للدولة سوف يحول دون الغلق، أو استنادًا إلى احتمالات توقع الضغط الخارجي وتأثيرات الجماعات الحقوقية في العالم. ولذلك تصرفت هذه الجمعيات في مرحلة الغرور دائمًا وكأن الدستور غير موجود، والقوانين غير موجودة، والحياة البرلمانية غير موجودة، بل وكأن الدولة غير موجودة. وعليه لم يكن أمام السلطة إلا تطبيق القانون في النهاية حماية للأمن والاستقرار وفرض هيبة الدولة.. ففي ظل الظروف الاستثنائية التي شهدتها البلاد لم يبقَ أمام السلطة سوى المواجهة الشاملة للقوى التي لا تريد أن تصل إلى حل من شأنه أن يكون طوق النجاة للخروج من الأزمة، بما يمنع تحقيق المصلحة العليا للبلاد. فالسلطة قد قامت بما يكفي من الخطوات للمساعدة على الخروج من الأزمة، من حيث استعدادها الدائم للحوار والتجاوز والتسامح، ومن خلال مستوى التعامل مع الخارجين على القانون اتسم بقدر كبير من الصبر والأناة. فقد كان العديد من الناس ينادون بوضع حد لعمل الجمعيات والجماعات التي أقامت جل جهدها وخطابها على معاداة الدستور والاستخفاف بالقانون.
قلت: المشكلة الرئيسية في تقديري تعود إلى أمرين أساسيين:
- الأول: يتمثل في وجود جمعيات طائفية بالأساس، وهو أخطر ما يصيب الحياة السياسية، ويمنع تطورها بطريقة سلمية، والمصيبة هذه الجمعيات هي المهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية في ذات الوقت، وقد أسهمت في تعزيز تأثير المشاعر الطائفية والرؤى المذهبية على الوعي الوطني الجمعي، وأصبحت عاملاً حاسمًا في سلوكيات الأفراد، وتكوين مواقف المواطنين، بما أسهم في تقسيم المجتمع، وتخريب بنيانه الوطني الموحد، بسبب طأفنة الحياة السياسية في الممارسة العملية، بالرغم من المحاولات اليائسة لإخفاء هذا البعد الطائفي. والترويج بان الحراك هو حراك وطني وديمقراطي.
- الثاني: يتمثل في سيطرة منطق المغالبة على فكر أغلب المعارضة، بالتحشيد والتحريض، أو الذهاب بالبلد نحو الجدار، والدفع بالناس نحو المغامرة والذهاب به إلى المجهول، بل وحتى إلى الموت المجاني، وحشر المجتمع برمته في زاوية ضيقة، مدججة بالشعارات والمطالب التي ترى دونها الموت.
هذا هو المأزق الحقيقي الناجم عن اختيار هذه الوثبة العدمية في السياسة وفقدان الوعي والتلطف والترفق بالوضع الهش في أي ديمقراطية ناشئة. حيث عمدت هذه الجماعات إلى الذهاب إلى لحظة العدم، ومن دون التفكير بالاستتباعات القريبة والبعيدة الناتجة عن التحليق خارج الفضاء العقلاني الرحب، بما قاد في النهاية إلى «انسداد الآفاق». واعتقد أن هذا الخلل الأكبر يجعل من غلق هذه الجمعية أو غيرها مجرد تفصيل.
قال الصديق: أتفق معك في التوصيف، ولكن إذا كانت هذه هي صفات مثل هذه الجمعيات، ألا يكون من الأفضل للجميع حلها؟
قلت: من الوجهة القانونية ليست هنالك أي مشكلة، فأي جمعية مرخصة وفقا للقانون، يمكن غلقها وفقا لذات القانون، إذا ما تجاوزت. ولكن من الوجهة السياسية، فهذا الحل لن يحل المشكلة، لأن هذه الجمعيات ستعود للعمل السري، وتتحول إلى العمل خارج القانون، وتصبح مراقبتها أصعب وضررها أكبر.
قال: وكأني بك تلمح مجددا إلى ضرورة العودة إلى الحوار السياسي الذي ثبتت عدم جدواه مع معارضة تفتقر إلى العقلانية والواقعية؟
قلت: الحوار مطلوب في جميع الأوقات، حتى في أوقات الحروب. هذا هو منطق السياسة. فبالرغم من هول الكارثة التي حلت بهذا المجتمع المتعايش الطيب، وبالرغم من التجاوزات الخطيرة للقانون والاستخفاف به، وبالرغم من التعنت والغرور السياسيين اللذين أفضيا إلى المواجهة، فقد كان باب الحوار مفتوحًا: فقد نظمت السلطة حوار التوافق الوطني وتوصل إلى عدد من التوافقات المهمة بالرغم من انسحاب البعض منه. كما نظمت حوارًا سياسيًا ثانيًا، أجهضته المعارضة بشروطها التعجيزية وتلاعبها السياسي.
فبالرغم من أن التجربة لم تكن مثمرة مع الجمعيات المعارضة عندما أتيحت لها فرصه المتكررة، وأضاعتها، وأضاعت فضاءاته المؤسسية بخروجها من البرلمان في 2011م، ومقاطعتها للانتخابات في 2014م، فإن ذلك لا يجب أن يكون مبررًا للتردد أمام اغتنام أي فرص ممكنة لأي حوار. على أن يتم الالتزام بتطبيق القانون والتوقف عن استفزاز الدولة والمجتمع والاستقواء بالخارج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها