النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

مسلسل الاعتداء على الأقباط.. مخاطــر استهـداف مصـر ووحــدة شعبهـــا

رابط مختصر
العدد 10284 الإثنين 5 يونيو 2017 الموافق 10 رمضان 1438

 مسلسل الاعتداء على الأقباط... مخاطــــر استهـــداف مصـــر ووحــــدة شعبهـــا

 

لماذا يتعرّض أقباط مصر تحديدًا إلى كل هذا العنف الوحشي من قبل تيار التوحش المحسوب على الإسلام؟ وهل هنالك من موجب شرعي أو عقلي لمهاجمة الكنائس والحافلات وقتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال مثلما يحدث من قبل جماعات الإرهاب المنسوبة إلى الإسلام ظلمًا وزورًا وبهتانا؟
هذه الأسئلة وغيرها نجد لها أجوبة مختلة الرؤية في موقع «صوت المسيحي الحر» الذي يعيد كل هذا التوحش والإرهاب الى «الإسلام» في ذاته وإلى ان هذا التوحش صميمي وجوهري في الإسلام. حتى ان دراسة منشورة على صدر هذا الموقع، بعنوان «اضطهاد الأقباط منذ الحكم الإسلامي لمصر» (من دون ذكر اسم الكاتب أو الباحث)، يقول ما مفاده: «إن أهداف العرب المسلمين الرئيسية الخفية بعد الاستيطان (في مصر) يتلخص في إبادة غير المسلمين، أو تغيير عقيدتهم إلى الإسلام أو قتلهم مهما طال الزمن».
والحقيقة أننا بقدر ما نتفهم حجم الألم والحزن والإحباط الذي يستشعره الأقباط في مصر، بعد سلسلة الهجمات الإرهابية المتوحشة التي استهدفتهم وكنائسهم، لكن من الواضح أن الأمر لا علاقة له بالإسلام، لا من قريب ولا من بعيد. فالأقباط موجودون على هذه الأرض من مئات السنين، وكذلك المسلمون، متعايشين متضامنين، اختلطت وامتزجت دماؤهم في حروب التحرير، والنضال ضد الاستعمار والصهيونية. فهم مواطنون مصريون متساوون في الحقوق والواجبات، وإذا كانت هنالك بعض الممارسات الإرهابية الصادرة عن جماعات خارجة عن القانون، فلا يمكن تسجيلها، لا على حساب الإسلام ولا على حساب الدولة المصرية، لأن الإرهاب يستهدف الجميع، وفي مقدمتهم الدولة نفسها. وإذا كان هنالك إرهابيون استباحوا قتل الأبرياء، فإن هذه الاستباحة قد مست الجميع، من دون استثناء، مسلمين ومسيحيين لا فرق، وأن الدولة المصرية تقاتل هذا الإرهاب بكل قواها، وبلا هوادة منذ أكثر من نصف قرن، ولم تتهاون في حماية المجتمع المصري بجميع مكوناته في أي لحظة. ولذلك فإن ها المنطق المؤسف الذي أشرنا إليه في مقدمة المقال المنشور في موقع «صوت المسيحي الحر»، لا يعبر في الحقيقة إلا عن رأي متطرف غير منصف وغير حصيف. فبالعودة إلى التاريخ القديم، فإن نظام الحكم العربي الإسلامي لم يفرض على أقباط مصر تغيير ديانتهم ولا هدم كنائسهم، بل أمنهم على أنفسهم وعلى دينهم وأموالهم. مما جعل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين علاقة تعايش وانسجام، بالرغم من بعض التوترات الطارئة من حين لآخر.
صحيح أن العنف المتصاعد والمنسوب إلى التطرف الديني الإسلامي، قد تحول إلى مشكلة عالمية، تناقش على مستوى العالم بأسره، بعد أن تزايدت الأفعال الإرهابية التي تنسب إلى المجموعات الدينية أو ينسبونها إلى أنفسهم. وبالرغم من تعدد اتجاهات وشعارات هذه الحركات، وتنوع رؤاها ومدارسها فإن فإنها إما مبررة للإرهاب أو منفذة له أو محتضنة له. بل إن الأخطر من ذلك هو هذا الخلط المتعمد بين الحركات الإسلامية المتطرفة - التي يتبرأ المسلمون أنفسهم من أفعالها - وبين الدين الإسلامي نفسه، حيث أثار هذا الامر نقاشات حول التأثير العميق للمعطى الفكري والعقدي على هذه التيارات المتطرفة التي باتت تركب موجة العنف كأداة لتبليغ صوتها إلى العالم. فالتيارات المتشددة التي نمت خلال السنوات الماضية لأسباب فكرية وسياسية واجتماعية تسيطر اليوم على الاهتمام الإعلامي والسياسي العالمي، لما أصبح ينسب إليها من جرائم إرهابية، لا تتبرأ منها، بل تتفاخر بفعلها على ما فيها من فظاعة وفضاضة، تتنافى مع أبسط المفاهيم والقيم الإنسانية والإسلامية التي تعلى من شأن حياة الإنسان وكرامته وحقه في الآمن والحياة بصرف النظر عن دينه ومذهبه. إن هذه التيارات الدينية المتشددة والتي زاد من تشددها العدوان الخارجي المستمر على المسلمين، تعاني من مساوئ منهجية كبيرة في خلفيتها الفكرية، وفي برامجها العملية والتي تشكل جذور التطرف في الفكر والرأي والممارسة. وقد تجلي ذلك في البحث والتنقيب في حياة السلف وأقوال العلماء الأقدمين عن مرجع لتبرير أي فعل تكفيري، بما في ذلك ما يبرر العنف والقتل والإرهاب والترهيب والتطاول على الدولة، ونشر الفوضى والإساءة إلى الحياة الإنسانية، من خلال الاستغراق في قياسات جزئية لا تلبي حاجات الإسلام في العصر الحاضر، ولا تجيب على الأسئلة الكبرى التي تواجه المجتمعات الإسلامية، والنظر بريبة إلى كل اجتهاد جديد لا يجد له مستندًا أو سابقة في الماضي، بما في ذلك رفض التعاطي مع القيم الحديثة لحقوق الإنسان والعيش المشترك والتسامح، التي تكرس مجمل القيم التي أجمعت عليها البشرية خلال هذا العصر.
إن أحداث العنف والإرهاب المركب والوحشي في مصر أو خارجها (الاقباط أو على غيرهم) لا تفرق بين مسيحي ومسلم، ولا بين متدين وغير متدين، وقد قدر لمصر أن تواجه باستمرار هذا الفصيل المتطرف من الجماعات الجهادية والتكفيرية التي أصبح لها انتشار واسع في الدخل والخارج، وفرضت على مصر حربًا يوميًا تستهدف الامن والاستقرار والاقتصاد والبشر في ذات الوقت. لقد عرفت مصر منذ السبعينات من القرن الماضي موجة من العنف، تحولت إلى معارك يومية بين الأمن والجماعات الجهادية، ثم تحولت هذه الجماعات إلى أسلوب الاغتيالات، ومهاجمة السياح وضرب الاقتصاد، ثم تأجيج العنف الطائفي بكل وحشية، من خلال منظومة من فتاوى المتشددين من رموز الحركة الإسلامية التي تشجع على الإمعان في الإقصاء للأقباط وتبرير الاعتداء عليهم. ولكن رغم تعرض الأقباط لموجات إرهابية متتالية، إلا أنهم مع كل عمل إرهابي يستهدفهم، يدركون أكثر فأكثر أن المستهدف الرئيسي هي مصر التي تستمد قوتها من وحدة شعبها، ووحدة مصيره.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها