النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

مركز إسلامي عالمي للاعتدال

رابط مختصر
العدد 10277 الإثنين 29 مايو 2017 الموافق 3 رمضان 1438

بين ردود الأفعال الواسعة، التي واكبت - وأعقبت - انعقاد القمم الثلاث، التي جمعت - في الأسبوع الماضي - بين الرئيس الأمريكي «رونالد ترامب» من جانب، وقادة السعودية ودول الخليج والدول العربية والإسلامية من جانب آخر، توقفت أمام آخر هذه الفعاليات، وهو افتتاح «المركز العالمي لمكافحة التطرف والإرهاب /‏ اعتدال» ليس فقط لأن الثمار التي سوف يجنيها العرب والمسلمون من انعقاد هذه القمم لا يزال في حاجة إلى وقت لكى تنضج ويحين أوان قطافها، أو لأن ملامح بعضها الآخر - خاصة على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي - يبدو غامضا ومشوشا، على نحو يجعل إنضاجه في المدى المنظور أقرب إلى التمني منه إلى التحقق.. ولكن كذلك - لأن افتتاح هذا المركز يبدو أول - وأسرع - خطوة عملية، في تفاهمات - وتعاقدات - قمم الرياض الثلاث.. وأول مبادرة عربية لاقتحام الموضوع الرئيسي التي انعقدت بسببه هذه القمم.

ولا مفر من التسليم بأن مواجهة الإرهاب والتطرف، قد أصبحت قضية العرب والمسلمين المركزية، مع - أو قبل - تحرير فلسطين التي ظلت تشغل هذا الموقع منفردة، منذ بداية خمسينيات القرن الماضي إلى نهاية السبعينيات منه، إلى أن تخلت فلسطين عن صدارة المشهد، بعد أن أجبرت الظروف العرب والمسلمين على التسليم بحق إسرائيل في أن تكون إحدى دول المنطقة، وتواضعت أحلامهم من السعي لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، والاكتفاء بإقامة دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967، وبعد أن كانوا يعتبرون هذا التحرير خطوة على طريق توحيد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج أصبح منتهى أمل بعضهم أن تتوحد الضفة الغربية مع قطاع غزة، بينما قاد الوهم آخرين إلى الهروب من الواقع المر، بالإعلان عن أن الأوان قد آن لتغيير مسار الطريق لتحرير فلسطين، بحيث يمر أولا بمحطة إحياء دولة الخلافة الإسلامية، ويهدم في طريقه إليها فسطاط الكفر، ويحطم أوثان العصر، ويقضى على الذين يعبدون الطاغوت من المسلمين ومن غيرهم، ليتخلق من ذلك كله تلك الصورة الذهنية التي تسود عالمنا، وتنظر للعرب والمسلمين باعتبارهم وحوشا لا هم لها إلا تحطيم الحضارة الإنسانية.

في هذا السياق يأتي تأسيس «المركز العالمي لمكافحة التطرف والإرهاب /‏ اعتدال» تعبيرا عن إدراك العرب والمسلمين - المتأخر نسبيا - بأن الأوان قد آن، لكي يشاركوا بفاعلية في الجهود الدولية التي تسعى لمواجهة هذا الوباء، الذي لا يهدد فحسب وجودهم، ويسىء إلى جوهر دينهم، ولكن - كذلك - لأن المشاركة في هذه المواجهة، تؤكد حقهم المشروع في الدفاع عن الحضارة الإنسانية الراهنة، التي كانت الحضارة العربية والإسلامية - في مراحل ازدهارها - أحد روافدها الأساسية، حين انتقلت منهم إلى الغرب، فاعتمد عليها، وأضاف إليها، ليبنى من ذلك حضارة العصر الذي نعيش فيه.

ولأن المتطرفين والإرهابيين، ميكيافيليون، يؤمنون بأن الغاية تبرر الوسيلة، ولا يتورعون عن تحريف آيات الله، لكي يبرروا ما يرتكبونه من جرائم في حق الإنسانية، فقد سبقوا الجميع في استغلال منجزات الحضارة الراهنة، التي لا يعترفون بها، ويصفونها - في أدبياتهم - بجاهلية القرن العشرين وما تلاه، في تحطيم هذه الحضارة، وبعد أن كانت الأجيال السابقة منهم تعتمد في عملياتها الإرهابية على أسلحة بدائية خفيفة، أصبحت تنظيماتهم تضم أقساما لتصنيع الأسلحة الثقيلة، وغيرها مما كان يقتصر حيازته واستخدامه على الجيوش النظامية.. وما كادت ثورة الاتصالات تطرح ثمارها الأولى، حتى استغلوا منجزاتها في تجديد الهياكل التنظيمية للمنظمات الإرهابية، التي يديرونها لتتحول إلى شبكات دولية عابرة للحدود، ويوظفونها في الربط بين قيادة هذه الشبكات وبين أعضائها متعددى الجنسيات، وفي نشر أفكارهم وآرائهم وتفسيراتهم الدينية لجذب الأعضاء الجدد، ويعتمدون على هذه المنجزات في تدريبهم على صنع الأسلحة ووضع خطط الأعمال الإرهابية، بل أصبح لكل منها موقع إلكتروني أو أكثر على شبكة الإنترنت، ومركز إعلامي للبث التليفزيوني، تنشر على شاشاته بياناتها وتبث صور العمليات الإرهابية التي تقوم بها أثناء تنفيذها.

أما وقد أصبح الإعلام أداة رئيسية من أدوات ما أصبح يوصف بأنه حروب الجيل الرابع، وسلاح أساسي ومؤثر من الأسلحة التي يستخدمها الإرهابيون والمتطرفون، فقد كان منطقيا وضروريا، أن يتأسس «المركز العالمي لمكافحة التطرف والإرهاب /‏ اعتدال» لكى يتولى رصد وتحليل ومواجهة الخطاب الإرهابي، ويتعاون مع الحكومات والمنظمات التي تنشط في المجال نفسه لنشر وتعزيز ثقافة الاعتدال، ولتحقيق هذا الهدف تمكن المركز - في فترة الإنشاء - من تطوير تقنيات مبتكرة، تمكن الخبراء العاملين به من رصد ومعالجة وتحليل المادة المتطرفة والإرهابية خلال 6 ثوانٍ فقط من بثها، وتقودهم إلى تحديد مواقع المنصات الإعلامية التي تنطلق منها، سواء كانت قنوات تلفزيونية، أو وسائل للتواصل الاجتماعي، أو الهاتف أو غيرها من وسائل الاتصال بمختلف الطرق.

ذلك مشروع طموح يوسع من نطاق أساليب مواجهة الإرهاب والتطرف، بحيث لا تنتصر فقط على أجهزة الأمن التي لا يزال العبء الأكبر من هذه المواجهة يقع على كاهلها، ويوفر لها معلومات تفيدها في أداء مهمتها الصعبة، بكشف أساليب التجنيد لهذه المنظمات، وإجهاض العمليات التي تخطط لها، ويسهم - فضلا عن ذلك - في تجفيف منابع الإرهاب، بنشر الفكر المعتدل وفضح الآراء الفاسدة التي تروج لها هذه المنظمات. ولا تكمن أهمية هذا المركز فحسب، في اتخاذه «الرياض» - وهى عاصمة الدولة التي تتولى خدمة الأماكن المقدسة للمسلمين - مقرًّا رئيسيًا له، في إشارة رمزية لا تخفي دلالتها على أحد.. ولكنها تكمن - كذلك - في أن الذي يديره، هو مجلس إدارة يتكون من 12 عضوًا ينتمون لدول وجاليات إسلامية مختلفة، وهو ما ينطبق كذلك على الخبراء المتخصصين الذين يشكلون جهازه الفني، مما يجعله بالفعل مركزًا عالميًا لمكافحة التطرف والإرهاب، يليق بالاسم المختصر الذي اختاره لنفسه وهو: «اعتدال»!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها