النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10908 الثلاثاء 19 فبراير 2019 الموافق 14 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:07AM
  • المغرب
    5:33AM
  • العشاء
    7:03AM

كتاب الايام

قمم الرياض.. درس قاسٍ لإيران.. وصياغة لمستقبل المنطقة

رابط مختصر
العدد 10275 السبت 27 مايو 2017 الموافق 1 رمضان 1438

 ربما سبقني الكثيرون في سرد تحليلاتهم وآرائهم عن القمم التي عقدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض، بداية من القمة السعودية – الأمريكية مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ثم القمة الخليجية – الأمريكية وانتهاء بالقمة العربية -الإسلامية -الأمريكية. فالعاصمة السعودية كانت وقتها هي قبلة العالم، ولم لا؟ فمكة المكرمة هي قبلة كل مسلمي العالم، فالرياض كانت بحق عنوان حلف المنطقة الجديد مع أمريكا، حلف خليجي – أمريكي، وحلف عربي – إسلامي – أمريكي.
القمة الأولى التي كانت بين الملك سلمان وترامب مثلت أهمية كبيرة، للسعودية والخليج معا، فهي انعكست إيجابا على مسار العلاقات الثنائية بين البلدين والمنطقة، وها نحن نرى ذلك من خلال الاتفاقات التي تم الإعلان عنها سواء الدفاعية أو التجارية والاقتصادية.
لم اكتف بهذا في تحليلي للقمم التي ذكرتها خلال مداخلاتي العديدة في المواقع إبان زيارة ترامب، حيث أكدت أن الولايات المتحدة الأمريكية برئيسها ترامب وكبار قادته يتطلعون من خلال لقائهم بقادة مجلس التعاون الى تنسيق المواقف حيال عدو مشترك يتبنى الإرهاب منهجا وسلوكا، وهو إيران والتي تدعم الإرهاب في العديد من الدول وتعمل على زعزعة السلم.
وقد رجحت من هذا المنطلق، أن لقاء ترامب مع قادة الدول العربية والإسلامية من شأنه أن يضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالأمن والسلم الدوليين، كما أن هناك الكثير من القضايا تحتاج لاستيضاحها من القيادة الأمريكية والتي تخص كثيرا من الزوايا ومنها التدخلات الإيرانية في منطقة الخليج ودعم الحركات الإرهابية، وكذلك المواقف الأمريكية حيال الأوضاع في العراق وسوريا وسبل إيجاد حلول لهاتين القضيتين، وقد جاء حرص القيادة السعودية لعرض كافة القضايا الخليجية والعربية على بساط البحث مع الرئيس الأمريكي، انطلاقا من حرص هذه القيادة أي السعودية على لم الشمل العربي وعرض رؤى وتصورات العالم العربي والإسلامي أمام العالم. وبالتالي، فإن مكتسبات المنطقة (الخليج والعالمين العربي والإسلامي) ضخمة للغاية، إذا قلنا بصراحة إن السعودية استطاعت بفضل دبلوماسيتها الهادئة في إدارة أمور المنطقة، استعادت الولايات المتحدة حليفا استراتيجيا لنا، وجعلت ترامب يقف مجددا في صفنا والابتعاد عن محور إيران الإرهابي، فقد خرجت القمم الثلاث المشار إليها بتدشين حلف عربي-خليجي -إسلامي أمريكي ضد إيران.
ولنقدر ما سبق بحسابات المكتسبات والخسائر، فالفائز هو منطق الحق الذي سلبه الإيرانيون أبرز الخاسرين في تلك الصفقات، خاصة بعد أن ظنوا أن اللاعب الأمريكي سيظل معهم وحليفهم مثلما كان الحال إبان ولايتي باراك أوباما الذي منحهم اتفاقا دوليا وصفقات بالمليارات واعترافا أمريكيا وأوروبيا ببرنامجها النووي الذي تهدد به شعوب الإقليم.
ويتشارك الروس مع إيران في موقع الخاسر، ولعل موسكو تشعر بالندم على إضاعة الوقت وإهدار الفرصة لعقد تحالف مع العرب مثلما تم مع «أمريكا ترامب»، وهي الفرصة التي أضاعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكان ممكن بلوغها في فترة الغياب الأمريكي.. فبينما أعاد ترامب التحالف السعودي – الخليجي – العربي – الأمريكي الى موقعه الصحيح الذي يستحقه الجانبان، آثرت موسكو اللعب مع الجانب الآخر، هذا الجانب الذي استغل الغياب الأمريكي وحقق طموحاته الإقليمية وتوسيع نطاق تدخلاته في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. ويضاف الى خسائر روسيا ما نحسبه عليها بشراكتها في قتل السوريين بتحالفها البغيض مع النظام السوري الغاشم الذي يقتل أبناءه ويشردهم وجعلهم لاجئين في شتي أنحاء العالم. ولكن مع خسارة موسكو في هذه اللعبة السياسية والإقليمية، فلا يزال الوقت متاحا أمام فلاديمير بوتين ليعيد دراسة مواقف بلاده ويبتعد عن محور الشر والقتل وينضم الي محور السلام والاستقرار في المنطقة، على أن يعلن صراحة تخليه عن إيران ومناصرتها في كافة المحافل الدولية.. كما يتعين على موسكو النظر بعين الاعتبار الى التحالف الجديد في المنطقة والذي سيكون أقوى بمراحل من التحالف «الروسي – الإيراني» ومن ثم على موسكو البدء فورا في فك أوصال هذا التحالف المحفوف بالمخاطر والعواقب السلبية.
واعتقد أن أمام موسكو فرصة حقيقية للانضمام الى المحور العربي – الخليجي حتي لا تلتصق بها تهمة التطرف والإرهاب، ونشير هنا الى رسم كاريكاتوري نشرته صحيفة الشرق الأوسط يوم الإثنين الماضي في نهاية قمم ترامب، تصور شيطانا يقود حيوانا خرافيا حمل اسم «التطرف» ينهار أمام السهام التي أطلقتها قمم الرياض نحو جسمه الضخم ويكاد يقع تماما من فرط الاصابات التي لحقت به.
نعود الى مكتسباتنا من زيارة ترامب للرياض، ولعلنا هنا نستذكر معا تعهد السعودية على لسان أكثر من مسؤول قبل نهاية ولاية أوباما الثانية، بالعمل بقوة على إلغاء قانون جاستا المعتمد من قبل الكونجرس الأمريكي، والذي يسمح لأقارب ضحايا هجمات 11سبتمبر بمقاضاة الرياض بزعم دعمها الإرهاب الدولي. وكان الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي هو آخر من تعهد بهذا عقب اجتماعه مؤخرا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، وهو اللقاء الذي شكل نقطة تحول في العلاقة ما بين الحليفين. واستطاعت الدبلوماسية السعودية من نزع فتيل النزاع بين الدولتين مع قدوم إدارة الرئيس ترامب الجديدة، التي عملت بقوة على تبني سياسة إعادة ترميم العلاقة مع الرياض التي تضررت بشدة في عهد سلفه باراك أوباما. ليس هذا فقط، بل يأتي الدعم قويا من الولايات المتحدة للسعودية لتؤكد زعامتها الإقليمية، في مواجهة إيران، هذا الخصم الجيوسياسي الرئيسي الذي سعي ونجح نوعا ما في ابتلاع المنطقة وإعلان الهيمنة عليها.
لقد نجحت السعودية في استعادة قوتها الناعمة، وحتما سيؤدي هذا التطور الجديد الى احتواء تنامي النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي الإيراني في دول الإقليم، خاصة في ظل الروح الجديدة في العلاقات بين الرياض وواشنطن. وإذا كانت آراء المحللين السياسيين العالميين تتصور صراعات كبيرا بين السعودية وإيران على كسب ود الولايات المتحدة والعالم الغربي ومعهم الرأي العام العالمي، فباعتقادي الآن، أن الصراع قد انتهى تماما بإعلان فوز السعودية بالضربة القاضية، في ظل نجاح الرياض التي كانت بؤرة الاهتمام العالمي الأسبوع الماضي.. ونشير هنا الى مقال كتبه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في صحيفة نيويورك تايمز بعد صفقة الاتفاق النووي، ادعى فيه أن السعودية بسياساتها الخارجية تتسبب في عدم استقرار المنطقة وتوريطها في صراع دائم عبر تمويلها لحركات إسلامية متطرفة في الشرق الأوسط. وزاد ظريف في مهاجمته السعودية بأنها سعت لإفشال الاتفاق النووي وإعادة تطبيع العلاقات بين بلاده وأمريكا ودول أوروبا الغربية، ليتناسى هنا أن بلاده هي التي أشعلت الصراع في الدول العربية وناصرت أنظمتها الفاشية ضد شعوبها، بل أن طهرن أججت نار الفتنة في تلك الدول وقادتها الى التهلكة.
نعود الى مكتسباتنا في القمم السابقة أيضا، لنؤكد نجاحنا في تصحيح مسار الولايات المتحدة التي تركت دول المنطقة المعتدلة تحارب وحدها محور الشر الإيراني، وتركت دول الإقليم تنهار أمام الفتن الطائفية التي بثتها إيران، وهنا استطاع العرب المعتدلون إعادة الهوية الوطنية الحقيقية لشعوبهم بعد العبث الإيراني الذي أثار الفوضي والإرهاب والفتن التي أوصلتنا جميعا الى مرحلة الكارثة بعد طموحاتها التوسعية مستغلة «الربيع العربي» لتطويق السعودية وغيرها عبر اليمن ومد نشاطاتها الى باب المندب، الى أن جاء التحالف العربي – الأمريكي ليقهر هذا التطرف والإرهاب.
إجمالا..لا نريد من يزايد علينا ويدعي أننا أعدنا الولايات المتحدة الى صفنا بصفقات الأسلحة الضخمة، فشخص مثل ترامب لا ينطلي عليه مثل هذه الأمور، فهو تاجر شاطر ولا يكترث بما يردده الإعلام المغرض..ولكنها إيران هي التي غازلت أمريكا والغرب بصفقاتها المجزية لتستميل تلك الدول الى تأييد سياستها التوسعية بالمنطقة، ولم يكن ترامب قد عرفناه بعد، فتوقيع الاتفاق النووي كان في عام 2013 في وقت لم يكن ترامب قد فكر مطلقا في خوض سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
لقد دشنت قمم الرياض لمهمة عاجلة وهي إعادة صياغة الشرق الأوسط، أو شرق أوسط برؤية سعودية – أمريكية جديدة بعد أن تغيرت قواعد في المنطقة. ولعل هذا الدرس قد بلغ طهران، ونتمنى ألا تتجاهل معانيه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها