النسخة الورقية
العدد 11003 السبت 25 مايو 2019 الموافق 20 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:26PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

سؤال مقلق أثارته زيارة ترامب...

رابط مختصر
العدد 10272 الأربعاء 24 مايو 2017 الموافق 28 شعبان 1438

 أدرك الملك عبدالعزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية في وقت مبكر جدًا الأهمية الجيواستراتيجية لموقع بلاده ومنطقة الخليج العربي فبحث عن قوى يعقد معها التحالفات ليضمن أمن المنطقة واستقرارها، فكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الحليف الذي يمتد زمن الصداقة والتحالف معها إلى بواكير انبثاق هذه الدولة قوةً عظمى في نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945؛ أي قبل ثمانين عامًا عندما التقى الملك المؤسس بالرئيس فرانكلين روزفلت القادم من مؤتمر يالطا على متن الباخرة كوينسي، ليضعا معًا قواعد هذه العلاقة الاستراتيجية التي جعلت التحالف بين الدولتين يتجاوز بسلام مختلف الهزات التي شهدتها السياسات الدولية، ويَكْبَر عن أن يكون محلّ تصرف شخص، مهما زُيّن لهذا الشخص طموحه الخروج على هذه القواعد. 

 على مدى أكثر من خمسين عامًا، وهي سنوات الصداقة والتحالف مع الولايات المتحدة، لا يُذكر أن هناك مرحلة في تاريخ العلاقات بين البلدين قد شهدت نوعًا من الفتور مثل الذي شهدته إبان فترة رئاسة باراك أوباما، الذي وضع كل بيضه في سلة الإسلام السياسي وصنع ما يُسمى بـ«الربيع العربي» وراهن عليه تجربة جديدة لقلب أنظمة حكم لم تعدْ تروق لسيد البيت الأبيض وقتها الذي أراد فيما أراد تغيير مواقف الولايات المتحدة الأمريكية من حكم الملالي في إيران، ولعل هذا الأمر هو الذي جعل «الربيع العربي» فرصة ذهبية لإيران التي لا يُنكر أحد عمق تأثيرها في الإسلام السياسي، أيا كانت تلويناته المذهبية، فاستثمرت فيه خلاياها الواعية والنائمة لتعيث فسادًا في تركيبة المجتمعات العربية. وعلى الرغم من المخاوف التي صاحبت صعود نجم دونالد ترامب، فإن عودة الروح إلى العلاقات الأمريكية السعودية لم تتم إلا بفوز المرشح الجمهوري رئيسًا كنس بقوة الصندوق الانتخابي عرابة «الربيع العربي» هيلاري كلينتون، وبنجاح الدبلوماسية السعودية في تحقيق الاختراق المطلوب الذي من خلاله أعادت نسج العلاقات السعودية الأمريكية على أساس المصالح المتبادلة والمشتركة.

 ليست حالة الابتهاج التي أشاعتها المساعي الدبلوماسية السعودية بعودة العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى سابق عهدها، ولا فرحة ردم الهوة العميقة التي أحدثها الرئيس الأسبق باراك أوباما في العلاقات السعودية الأمريكية والعربية الأمريكية، وحدهما اللتان تسودان المشهدية السياسية بانعكاساتهما الإيجابية على حالة الناس الاجتماعية، ذلك أنه بالتوازي مع الحدث كان هناك كلام كثير وملفت ومتضارب أيضًا قد قيل حول أول زيارة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الخارج والتي خص بها المملكة العربية السعودية ليكون ضيفًا على مليكها خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ليعقدا على ثراها ثلاث قمم هي على التوالي: قمة أمريكية سعودية، وثانية أمريكية خليجية، وثالثة أمريكية عربية إسلامية. هذه القمم خُصصت لتعزيز العلاقة ومحاربة التطرف والإرهاب بوصفهما داءين عالميين ينبغي مواجهتهما باستراتيجية موحدة. 

 في خضم ما وصفته بالكثير والملفت والمتضارب من الكلام، ظهر أيضًا بعض من الكتّاب يهوّنون كثيرًا من نتائج هذه الزيارة وكأني بهذا البعض كانوا يعكسون رجاءً ورغبة دفينة بألا تكون هناك نتائج مثمرة لهذه الزيارة. وراح بعضهم الآخر ينقل بعضًا مما يكتبه ويصرح به المناوئون السياسيون الأمريكيون للرئيس دونالد ترامب ويستشرفون المستقبل متنبئين بأن هذا الرئيس سيواجه نفس مصير الإبعاد عن سدة الرئاسة مثلما جرى للرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون إثر فضيحة واتر غيت. الحقيقة أن كثيرًا مما قيل لم ينتج لأصحابه مفيدًا أمام ما تمخض عن هذه الزيارة من اتفاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية أنا متأكد من أنها أصابت زراع الفشل والريبة والتوجس والخيبات في مقتل؛ إذ جرت رياح الديبلوماسية السعودية والمكانة الاعتبارية للمملكة في موازين العلاقات الدولية بما لا تشتهيه سفن هؤلاء، فلم يبق لهم إلا أن يمضغوا «غات» الخيبة.

 أكثر ما أقلقني من هذه الزيارة هو أنها أوجدت فجأة على لسان البعض سؤالًا لاهثًّا كان محمولًا على نبرة شك فيما تتخذه دول مجلس التعاون من إجراءات تجاه نوايا إيران العدائية الواضحة ضد جيرانها. فمثلاً يأتيك أحدهم يتساءل باستخفاف عن حجم المشكلة التي تواجه دول مجلس التعاون التي تعاني منذ ست سنوات ما تعانيه من صلف التدخل في شؤونها، ويشعرك، من حيث يعلم أو لا يعلم، بأنه متعاطف مع إيران، فيسألك هذا السؤال: «هل تصدق أن إيران تخطط لاحتلال دول مجلس التعاون حتى يقام مثل هذا الاستقبال للرئيس الأمريكي، أم أن ذلك مبالغ فيه، ويراد منه استعداء إيران؟!»

 إجابتي عن هذا السؤال الإنكاري تتمثل في ركام التصريحات العدائية التي يصدرها رجال الدين والسياسة وقيادات ما يُسمى بالحرس الثوري في إيران بمناسبة ومن دون مناسبة للتهجم على دول مجلس التعاون عامة وعلى المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين خاصة على مدى الأربعين سنة الماضية، ولكن ما يثير القلق فعلاً ليس جوارنا الإيراني لأن لنا القدرة على صد أطماعه وقمع أحلامه في زعزعة أمننا واستقرارنا، وإنما هو هذا السؤال الإنكاري الذي دفعه إليَّ سائلي خاصة إذا ما كان على ألسنة أبناء الخليج العربي، بصرف النظر عن خلفياتهم العرقية والمذهبية، فهذا لا معنى له إلا غفلة عن معايشة حقيقة الأوضاع التي نمر بها خاصة بعد نجاح ملالي إيران في السطو على ثورة الشعب الإيراني على حكم الشاه.

فإيران منذ ذلك العهد ليست تحت حكم سياسي وإنما تحكمها مافيا طبقة رجال الدين الذين تلاقت مصالحهم الشخصية مع تجارة المذهب والدين والطائفة فوجدوا في خطابات التحريض والتهديد باحتلال دول الجوار وقودًا لخطاب شعبوي يصرفون به أزمات الداخل الإيراني وعودًا بحروب خارجية ستكون في أغلب الأحيان تحت شعار نصرة المذهب والطائفة، ولنا على سبيل المثال لا الحصر فيما صرح به نائب قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء حسين سلامي بعد السيطرة على حلب خير شاهد على هذه التصريحات الشعبوية؛ إذ قال: «إن الانتصار في حلب مقدمة لتحرير البحرين»، مؤكدًا في ذات الوقت على أن عملية «التحرير ستمتد إلى البحرين واليمن والموصل والسعودية..» أكتفي بهذه العينة دون أن أعلق عليها لأنها بمفردها دالة على طبيعة سياسة «حسن» الجوار الإيرانية.

 غير أني مع ذلك أنبه إلى أن مثل هذه التصريحات من رجل عسكري أو رجل دين ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد. فليس في إيران دولة، هناك صراع محتدم بين «الدولة» و«الثورة»، والغلبة دائمًا ومنذ ما يقارب الأربعين عام لمفهوم الـ«الثورة» الذي كان ولا يزال وقودًا يغذي محرك الطغمة الحاكمة في إيران.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها