النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الإقامة في عالم بلا قلب أنظمة العمل على طريقة لعبة «البوكر»

رابط مختصر
العدد 10272 الأربعاء 24 مايو 2017 الموافق 28 شعبان 1438

تشهد المجتمعات الرأسمالية المتقدمة انقلابًا حقيقيًا في أنظمة العمل، بما أفضى إلى قلب هرم العمل القديم وتحويله إلى دائرة جهنمية حقيقية لا إنسانية، يقف في وسطها عدد قليل من المسؤولين على اتخاذ القرارات، وتحديد المهمات ومتابعة وتقويم النتائج، وقد سمحت لهم الثورة المعلوماتية بفرض رقابة مباشرة على سير العمل، لم تكن متوافرة في النظام القديم، والفرق الجديدة العاملة عند حدود الدائرة، باتت حرة في الاستجابة لأهداف الإنتاج، كما حددها المركز، وحرة في تقرير وسائل تنفيذ هذه المهمات، ضمن المنافسة المتبادلة لكنها ليست حرة في تحديد طبيعة هذه المهمات نفسها.

والمكافأة التي كانت ضمن المخطط الهرمي القديم تذهب إلى من يقوم بعمله على أفضل وجه، تحولت ضمن الاقتصاد الربحي إلى الفرق الرابحة على نمط لعبة البوكر الشهيرة، فالجهد ما عاد يكافأ، بما يجعل الصيغة الجديدة تسهم في زيادة فروقات الرواتب والمكافآت داخل المؤسسات الصناعية والتجارية وغيرها.

والمدافعون اليوم عن نظام العمل الجديد يدعون أنه اكثر ديمقراطية من التنظيم السابق، لأنه أدى إلى إنهاء مسالة فضاء العمل الثابت، وبيئته وزمانه، فـ«لا أمد طويل للعمل»، ولا أماكن ثابتة له، وقد حلت خطط المهنة محل الوظائف القائمة على تنفيذ مهمات دقيقة ومحدودة. فما أن تنتهي المهمة، حتى يتم إلغاء الوظيفة، ففي قطاع التكنولوجيا المتقدمة، يقدر معدل حياة الوظيفة بثمانية أشهر، والعاملون يبدلون باستمرار شركاءهم المهنيين. وتدعو النظريات الجديدة في إدارة الأعمال إلى عدم تجاوز «فترة استهلاك» الفريق العام الواحد، فلم تعد هناك من شركة جديدة ترغب في التوظيف لمدة غير محددة.. ولكن الذي يغيب عن هذا النوع من الفكر أنه من المعروف صعوبة الوفاء لمؤسسة غير مستقرة، لا تبرهن عن الوفاء لموظفيها، ولا يكون لهم تاريخ ممتد معها، مما سوف يؤدي بالضرورة إلى تراجع الالتزام بالعمل كما سيؤدي إلى خفض الانتاجية وسيطرة حالة من اللامبالاة، حيال فكرة السرية المهنية وفكرة الإخلاص ومجموعة القيم المرتبطة بالعمل والتي تعلمناها وتناقلتها الاجيال جيلاً بعد جيل..

إن أنماط السلوك السائد في نظام العمل الرأسمالي الجديد من شأنها تدمير النظام الأسري وهو العنصر الأساسي لاستقرار الحياة البشرية واستمرارها، حيث ينتظر ان يفضي الى ظهور منظومة قيم جديدة وخطيرة تنذر بانقلاب حقيقي وخطير المدى في حياتنا، عنواوينها: عدم الالتزام، عدم التورط، التفكير القصير المدى، الانتهازية، تحقيق المصلحة العاجلة، اختفاء العنصر الجماعي والمصلحة الجماعية، وبالتالي انحسار القيم الوطنية، حيث كانت المؤسسة التي يعمل بها الموظف في السابق بمثابة عائلته الثانية وعنوان استقراره وكرامته الإنسانية. ولكن هذا التغير الدراماتيكي الجديد يجد الانسان نفسه امام أخطار محدقة بالتضامن العائلي والاجتماعي بما يهدد باننا نتجه إلى الإقامة في عالم بلا قلب.

المواطن «يعقوب» زعلان

المواطن «يعقوب» يصف نفسه بكونه مواطنًا بسيطا، كأغلب خلق الله، موظف «بسيط» وراتب «بسيط» حياته كلها بساطة في بساطة. لا تعني له الديمقراطية شيئًا، لا يتهتم بالجمعيات والجرائد، ولا بالتلفزيون ولا بمجلس النواب، كل ما يهمه هو انتظام الراتب البسيط، واستمرار علاوة الغلاء، لا يحب السياسة، ولا يتحدث فيها أو عنها، ويغضب إذا توجهت إليه بأي سؤال يعتبره خارج السياق. والسياق عند يعقوب هو ما يتعلق بالمعاش فقط..

يعقوب - ونظرًا لعدم كفاية الراتب البسيط - مضطر في الفترة المسائية وفي إلى البحث عن أعمال هامشية تكميلية ليوفر بعض المال الاضافي لتغطية احتياجات اسرته، حتى استقر به الأمر للعمل في محل «تكة وكباب». ولذلك، ورغم الإرهاق البادي عليه في الصباح، يبدو منبسط الاسارير بهذا العمل الضئيل، ويخالطه سرور دائم، ويحمد الله على أن أصبح لديه دخل زائد.

فجأة بدا على يعقوب حزن وانقباض وعزوف عن الكلام، وهو صاحب النكتة الحاضرة، والضحكة المجلجلة، فسألته: ماذا حلّ بك يا يعقوب؟ هل من خطب جديد؟

فحكى لي الحكاية: لقد فتح الله لي بابه في محل الكباب، وتحركت الأمور في سنوات الخير، حتى حلّ بنا ما حل: فعلمنا محصور في المساءات، فجاء من يعكر علينا عيشنا، من هؤلاء الذين يملأون المنطقة هياطًا ومياطًا، وإغلاقًا، فنضطر إلى غلق المحل، خاصة مساءي الخميس والجمعة، فتدهور الحال، واصبح المحل «ما يجيب ثمنه» فالخسارة زائدة والكساد كسرنا والاضطراب عطل رزقنا. فانتقلنا للعمل في منطقة أخرى، ولكن الأمر أيضا لم يفلح، لأننا كنا نعمل نصف شهر فقط، وباقي الأيام نكون شبه متوقفين. ففي الأسبوعين التاليين لاستلام الرواتب، «تمشي الأمور» ولكن بعد ذلك يتوقف الناس عن شراء «التكة والكباب» ويتوجهون فيما يشبه الطابور إلى الخباز لشراء «النخي والباجلاء»، وهذا أمر ثابت بالحجة والدليل. وهذا حالنا تقريبًا في كل شهر، فلم يكن الدخل يغطي إجار المحل، فاضطررنا إلى الانسحاب والبقاء في البيت عند الإياب، ولذلك تراني اليوم مهموما حزينا، لأن «الأمور ضاقت» ولا ادري كيف أتدبر الأمور، والله المستعان!

همس

جاء في تقرير صادر عن مؤسسة «فريدوم هاوس» أن «الحكم الرشيد» قد يكون مصطلحًا أفضل للاستخدام من مصطلح الديمقراطية. فالتاريخ يشير إلى أن معظم الديمقراطيات ظهرت تدريجيًا، ثم تطورت عبر السنين وأن الديمقراطية في الأنظمة السياسية الليبرالية هي أكثر من مجرد انتخابات ودوائر انتخابية وأن الديمقراطية لديها فرصة كبيرة في الاستمرار في الدول التي يتوافر فيها للمواطنين العاديين قدر كاف من الرفاه الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وتوفير الحاجات الأساسية التي تؤمن الكرامة الحقيقية للأفراد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها