النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

محنة العيش على الهامش... البحث اللاهث عن جنة مفقودة

رابط مختصر
العدد 10265 الأربعاء 17 مايو 2017 الموافق 21 شعبان 1438

كان المهاجرون بكافة أصنافهم ومراكزهم القانونية في فرنسا، محورًا أساسيًا من محاور الحملة الانتخابية الفرنسية الأخيرة، بين من يعتبرهم قوة ثراء وغنى للمجتمع (ماكرون) وبين من يعتبرهم كارثة على الاقتصاد والمجتمع والهوية، وأنه يجب طرد كافة المهاجرين من فرنسا (لوبآن). والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست فرنسية فقط، بل تكاد تجتاح العدد الأكبر من بلدان أوروبا الغربية، وإن بمستويات متفاوتة، وفقا للوضع الاقتصادي لكل بلد، وبحسب أعداد المهاجرين ونوعياتهم. ولكن بالنسبة لفرنسا هنالك قصة أخرى تتعلق - ليس فقط بالوضع الاقتصادي والبطالة والضغط على الموارد-بل تتعلق أيضا بالأيديولوجيا والاندماج. حيث تحاول فرنسا منذ عقود التعايش مع الحالة المهاجرة بعناء كبير، بين منطق الادماج والقبول بالنموذج العلماني، ومنطق حرية الفرد وحقه في الاختيار والانتماء.
وبالرغم من أن النظام العلماني الفرنسي يوفر الحرية الكافية للجميع لممارسة ضروب العبادات، فإنه يظهر بعض القصور في استيعاب الديانات، ضمن قوانين الجمهورية ونظامها الاجتماعي. وهذا ربما وضع الجالية العربية بوجه خاص في موقع إشكالي على عدة مستويات. وهذا ما يبرر الجدل المستمر - والذي طفا أكثر على السطح بمناسبة الانتخابات - حول مدى انخراط المهاجرين في المجتمع الفرنسي، ومدى قابليتهم للانخراط في البناء العلماني للدولة، حيث تواجه العلمانية الفرنسة تحديات كبيرة بسبب التغييرات التي طرأت على شكل المجتمع وخصوصيته، خاصة مع نمو الجالية العربية الوافدة إلى فرنسا. بما حتم على الجمهورية إعادة حساباتها للحفاظ على شكل العلمانية المطبقة وضرورة تجديدها لكي تتلاءم مع التركيبة المجتمعية الآنية، إذ يدور لب المنطق الفرنسي على حشد المواطنة خلف قيم الجمهورية على نحو يعيد ترتيب الفرد وفق نموذج الجمهورية الجماعي، ويختلف النموذج الفرنسي في «استيعاب ودمج المهاجرين» عن النموذج الانجليزي، حيث يتأسس النموذج على مبدأ الانصهار والقبول بنمط العيش الفرنسي وبمبادئ الجمهورية والعلمانية الفرنسية (وقد تمت إضافة عنصر الإقرار بمبادئ الجمهورية ضمن شروط الحصول على الجنسية الفرنسية) في حين أن النموذج الانجليزي يقوم أساسا على فكرة تعايش المجموعات بالاحتفاظ بخصائصها (الإثنية والثقافية والدينية) في مقابل احترام الآخر ضمن الوطن وقواعده وقوانينه، حيث لا تكون الجاليات مضطرة للتخلي نموذجها الثقافي والروحي من اجل الاندماج، لان ليس المطلوب منها الانصهار وإنما فقط احترام القانون... أما النموذج الفرنسي فينطلق من ضرورة كسر التجمعات العرقية والدينية، ويعطي لها هامشا اقل من التعبير الثقافي المستقل، مقارنة بالنموذج الآخر، ويعتبر أن التماهي مع قيم الجمهورية من شأنه أن يكسر الانغلاق العرقي والديني، ويعطي فرصا أكبر لأبناء الجاليات للترقي داخل السلم الاجتماعي والسياسي بإعطائهم فرصا متساوية، وليس من خلال بقائهم في تجمعات عرقية مغلقة.
إلا أن هذه القيم، على أهميتها الكبرى لم تنجح إلى حد الآن في حل جميع مشكلات المهاجرين، وخاصة المسلمين، إذ ما يزال العديد منهم يعيش على هامش الحياة الاجتماعية الفرنسية، بالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومات الفرنسية في إطار من المساواة في التعامل مع المواطنين والمقيمين على قدم المساواة، ودون تمييز على المستوى التشريعي والتعامل الرسمي..
إلى الوراء در..
كانت باريس عشية الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية تموج بالملصقات الانتخابية، وحمى المعركة الانتخابية الفرنسية المستعرة يلمسها الزائر في الملصقات أو الومضات الإخبارية في القنوات التلفزيونية الفرنسية.
في ذلك اليوم قال لي سائق التاكسي العربي المهاجر - من الجيل الثاني - والفرنسي الجنسية الذي أقلّني من مطار شارل ديغول في باريس إلى الفندق:
- إنها معركة يتم دمج العرب فيها عنوة، بالرغم من كوننا نعيش على الهامش ونكتفي بالفتات، حتى الأعمال (الشاقة) التي كان اباؤنا يضطلعون بها قبل عشرين عامًا، احتلها اليوم عمّال من أوروبا الشرقية أو من أفريقيا السوداء. الجيل الأول من المهاجرين في طريقه إلى الزوال أو زال بالفعل، ومن بقي منهم فهو يعيش حاليًا في عزلة تامة، يلفهم الصمت في الضواحي الفقيرة المزدحمة بالبؤس وتآكل الخدمات، يعيشون عالة على المعونات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للجميع لضمان حد أدنى من العيش... الجيل الثاني من أبناء المهاجرين العرب أمثالي، وهم مواطنون فرنسيون أغلبهم تأكله البطالة والتهميش وينهشهم الفراغ وبؤس الأوضاع والتمييز في الدراسة والعمل. بعضهم يضطر إلى تغيير اسمه حتى يمكن النظر إلى طلب توظيفه بجدية.. والتجمعات السكانية الفقرة والمهشمة والمعزولة تحولت إلى غيتوات حقيقية في الضواحي الباريسية، والتجمعات السكانية التي تأسست أصلاً لخدمة الضاحية الفرنسية في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، أصبحت اليوم أشبه بالأطلال: عمارات عالية قذرة مكتظة، معزولة إلى حد الموت. حتى الشرطة لا تتجرأ على دخولها ليلاً ونهارًا على حد سواء....
وأبناء المهاجرين الذين كان يفترض أن يكملوا مشوار الآباء في دورة الإنتاج في الوظائف الثقيلة، وجدوا أنفسهم في التسلل: فرص التعليم والعمل تقلصت إلى حد العدم، والاندماج المأمول بات شبه مستحيل، لغياب الجدية في المعالجة، بل ولغياب النية أصلاً في دمجهم، خاصة بين أوساط اليمين الذي يفضل أن يبقى العرب - دون غيرهم - نبتًا شيطانيًا غير قابل للاندماج أو الاستزراع أو التداول.
ويضيف السائق بنبرة المحلل السياسي «مشكلة العرب» في فرنسا - وربما في أوروبا قاطبة - ينطبق عليها قول القائل - مع اختلاف في السياق - العدو أمامكم والبحر من ورائكم. فهم هنا في مواجهة وضع سيء وانحسار أفق الترقي وتقلص فرص الحياة الكريمة، فما بالك بفرص الصعود الاجتماعي... إلا أن الوضع في بلدانهم يبدو في اغلب الحالات أكثر سوءا على جميع المستويات المعيشة، إلا أنهم هنا في فرنسا يستطيعون على الأقل التعبير عن الغضب، ويمتلكون حق التظاهر والاحتجاج بالإضافة إلى بعض الأمل، وبصيصًا من الضوء في آخر النفق، في حين يضطر الآلاف منهم الى المقامرة يوميًا بحياتهم، وهم يفعلون ذلك لأنهم في الواقع أموات لا يرزقون، ولذلك فلا غرابة أن ترى المهاجرين يعيشون حياة صعبة، ولكنها أكثـر قليلاً من الموت الذي يتجرعونه يوميا في بلدانهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها