النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

بين تمثال «عبدالوهاب» وجراثيم أغاني المهرجانات!

رابط مختصر
العدد 10263 الإثنين 15 مايو 2017 الموافق 19 شعبان 1438

في احتفال تلفزيوني متواضع بالذكرى السنوية السادسة والعشرين لرحيل «محمد عبدالوهاب» عن الدنيا، في 4 مايو عام 1991، قال الناقد «طارق الشناوي» إن «موسيقار الأجيال» هو آخر الألقاب التي حملها في حياته، وهي ألقاب تطورت على امتداد سبعة عقود من «المطرب النابغة» إلى «الموسيقار المجدد»، ومن «مطرب الملوك والأمراء» إلى «موسيقار الجيلين»، أما وقد أثبت -بعد ربع قرن من غيابه- أنه لايزال قادرًا على أن يجتذب أسماع جيل الشباب العربي المعاصر، فهو يستحق عن جدارة لقب «الموسيقار عابر الأجيال».
ذلك رأي بدا لـ «عائشة» -كبرى بنات عبدالوهاب- أقرب إلى التمني منه إلى الواقع، لذلك اتصلت هاتفيًا بمنظمة الاحتفال -الإعلامية المرموقة «لميس الحديدي»- لتشكرها؛ لأنها لم تنسَ -كغيرها- ما قدمه «عبدالوهاب» للموسيقى والغناء، في زمن كاد فيه الجيل الجديد من شباب العرب ينسونه، في حمى موسيقى الرقص والضجيج والصراخ والتلوث السمعي، التي بدأت -في منتصف سبعينيات القرن الماضي- بـ «الأغنية الشبابية» -أو الهبابية-، ومن نجومها الساطعة «أحمد عدوية» و«كتكوت الأمير» وانتهت في بداية العقد الثاني من القرن الحالي بـ «أغاني المهرجانات» ومن نجومها التي تعوي في آذاننا كل صباح «أوكا» و«أورتيجا».
ما لم تذكره «عائشة» من دلائل ذلك، أن تمثال «عبدالوهاب» النصفي الذي أقيم بمسقط رأسه في ميدان «باب الشعرية» بالقاهرة، وتمثال أم كلثوم الذي نصب أمام البرج السكني الذي حل محل الفيلا التي كانت تسكنها على ضفاف جزيرة الزمالك، فضلاً عن تمثال «عباس محمود العقاد» الذي أقيم في مسقط رأسه بـ «أسوان» قد وجدت كلها من يحاول، خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، تحطميها، وحين فشل في ذلك قام بدهانها بألوان ودهانات فجة تعكس انحطاط وتدهور الذوق العام الذي أصبح يحيط بها، على سبيل تشويه ما يعتقد الذين فعلوا ذلك من المتشددين الإسلاميين أنه «أصنام» للذين يسعون لإبعاد الشباب المسلم عن دين الله.
أما المهم فهو أن هذا الاحتفال التلفزيوني المتواضع بذكرى رحيل الموسيقار «محمد عبدالوهاب» ذكرني بالركن الذي يحتله في مكتبتي، وهو يضم عشرات الكتب التي صدرت عنه، ومثلها من الكاسيتات والأقراص المدمجة التي تضم ما غناه أو لحنه، ومن بينها عثرت على كتاب أشك كثيرًا في أن أحدا قد تنبه بشكل كاف إلى أهميته وتفرده عند صدوره، أو بعد ذلك، وإلا ما فوجئت وأنا أتصفحه -بما يحتويه- وكأنني أراه لأول مرة، عندما وجدته بين يدى بالمصادفة التي هي خير من ألف ميعاد!
والكتاب -الذي يقع في 276 صفحة من القطع الكبير- يحمل عنوان «محمد عبدالوهاب.. سبعون عامًا من الإبداع في التأليف الموسيقى والتلحين والغناء» وقد صدرت طبعته الأولى عام 2002 عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، ومؤلفه هو «د.إدوارد حليم ميخائيل»، الذي يعرف نفسه على الغلاف بأنه «أستاذ فخري بجامعة ليثبريدج بكندا»، وهو يتضمن فهرسة شاملة لكل الأعمال الغنائية والموسيقية التي قدمها «عبدالوهاب» منذ أول تسجيل له صدر عام 1921، وهو قصيدة «أتيت فألفيتها ساهرة» -وهي من تأليف شاعر القطرين خليل مطران- إلى آخر أغنية سجلها عام 1991 وهي «من غير ليه» التي ألفها «مرسي جميل عزيز».
ويصنف هذا الفهرس هذه الأعمال إلى فروعها المختلفة، من حيث نوع المصنف (دور / ‏مونولوج /‏ قصيدة /‏ طقطوقة /‏ أغنية طويلة /‏ أوبريت /‏ موسيقى بحقه /‏.... إلخ)، ومن حيث مساهمة عبدالوهاب في إبداعه بالتلحين أو الغناء أو كليهما معًا، وأسماء المشاركين في إبداعه، سواء كان ذلك بتأليف الكلمات أو أداء الألحان، أو توزيع الموسيقى، فضلاً عن قوائم بالقصائد والأغاني الوطنية والعاطفية التي غناها، وثبت بالكتب -أو الفصول- التي صدرت عنه باللغة العربية، أو باللغات الأجنبية، فضلاً عن تصنيف لما لحنه أو غناه، طبقا لموضوعها، من الأغاني العاطفية إلى الأناشيد الوطنية ومن التغني بالطبيعة، إلى المونولوجات الفكاهية، وغير ذلك من الفهارس التي استهدف المؤلف من إعدادها -كما يقول في تقديمه للكتاب- أن يعرف المستمع العربي أن «عبدالوهاب» قد ترك ثروة فنية تروق لكل الأذواق وتناسب جميع الأعمار أولا، وأن ييسر على الموسيقيين والباحثين في الموسيقى دراسة هذا الفنان العملاق، خاصة بعد أن بدأ الباحثون في الغرب يهتمون بالموسيقى والغناء العربي، ويشرعون في دراستها.
ذلك مجهود لم يكن باستطاعة المؤلف أن يقوم به وحده، لذلك استعان بأحد عشر من المستشارين والباحثين المساعدين أشرف بعضهم على المشروع، ووضع بعضهم الآخر مكتباتهم الموسيقية الشخصية في خدمة مؤلفه، وقام فريق ثالث منهم بالبحث في مجموعات الصحف والمجلات العربية، في مكتبات الشرق الأوسط والمكتبات الفرنسية والأمريكية لأرشفة كل ما نشر عن عبدالوهاب، بينما كلف بعضهم بجمع كل أعمال عبدالوهاب الغنائية والموسيقية من جميع المصادر.
ومع أن المؤلف قد شغل بالفهرسة، عن تحليل المادة النادرة التي جمعها وصنفها ونشرها عنه، إلا أنه لم يبخل على القارئ، برصد بعض الظواهر التي أضافها «عبدالوهاب» إلى الموسيقى العربية، ومن بينها الآلات الغربية التي زود بها التخت الشرقي التقليدي، ومنها الجيتار والأبوا والكونترباس وكانت مثار مخاوف واعتراضات المطربين الذين غنوا ألحانه وعلى رأسهم أم كلثوم.
وطبقا للبيانات التي أسفر عنها مجهود «د.إداورد حليم» في الفهرسة، فقد بلغ مجمل إنتاج «محمد عبدالوهاب» -خلال 70 سنة بين 1921 و1991- أكثر من خمسمائة عمل لنفسه ولغيره، وهى حصيلة يقول إنه «يندر أن نجد مثيلا لها في تاريخ الموسيقى في العالم». وهو يلاحظ أن هذا الإنتاج الغزير لا يتميز بكميته فحسب، ولكنه -كذلك- بتنوعه، ففي حين يغلب على إبداع فنانين آخرين، طابع -أو قالب- واحد، يقترن بأسمائهم، ويميزهم عن غيرهم، لم يترك «عبدالوهاب»، بابًا في مجال الغناء لم يطرقه، لذلك شمل إنتاجه، أغاني عاطفية ووطنية وأناشيد وأغاني شعبية وريفية، وأغاني خفيفة مرحة، وأغاني حزينة، وأوبريتات وديالوجات وأغاني أفلام وأغاني على العود وحده، فضلاً عن إنتاجه في مجال الموسيقى الخالصة، ولذلك قد يدهش القارئ لهذا الفهرس الشامل لأعمال عبدالوهاب -الذي استغرق إعداده سنوات من الجهد- حين يجد في قائمة المطربين الذين لحن لهم «عبدالوهاب» أسماء لا تبدأ بـ «أم كلثوم» و«فيروز» ولا تنتهي بـ «شكوكو» و«إسماعيل ياسين»!
وهي حقيقة تخرج لسانها لهؤلاء الذين شوهوا تمثاله، واعتبروه صنما، سعى لإبعاد الشباب المسلم عن دينه، فكانت النتيجة هي ابتعاد هذا الشباب عن الفن الجميل ووقوعه بين براثن التلوث السمعي الذي تحدثه جراثيم «أوكا» و«أورتيجا» وغيرهم من نجوم أغاني المهرجانات!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها