النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

من دروس الانتخابات الفرنسية... موت الأحزاب.. موت الأيديولوجيا!؟

رابط مختصر
العدد 10263 الإثنين 15 مايو 2017 الموافق 19 شعبان 1438

شكَّل فوز ماكرون بالرئاسة في فرنسا هزيمة انتخابية، ليس لحزب الجبهة الوطنية اليميني فحسب (فهذا الأمر كان متوقعًا بالنظر إلى المواقف العنصرية شديدة التطرف لهذا الحزب ومعاداته للأجانب وللاتحاد الأوروبي ونزعته العنصرية مع أنه عزز موقعه على الصعيدين السياسي والإعلامي وبات القوة السياسية الثانية)، بل هزيمة نكراء وضربة سياسية قوية للأحزاب التقليدية الفرنسية، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي والحزب الجمهوري الديغولي، اللذين هيمنا على الحياة السياسية الفرنسية، خلال العقود الخمسة الماضية. وماكرون، ينتمي إلى تيار وسطي لا يميني ولا يساري، ولكنه لا ينتمي إلى حزب مهيكل ذي أيديولوجيا واضحة أو قواعد سياسية كبيرة، مما يعني بدء تجربة سياسية فرنسية جديدة من خارج رحم الأحزاب والأيديولوجيات المستقرة.
صحيح أن الرئيس الجديد قد جاءت به إلى سدة الحكم المشكلات الملحة التي عجز اليسار واليمين عن التعاطي معها بفعالية، مثل البطالة التي وصلت إلى حوالي 10%، وارتفاع الضرائب على الشركات وعلى السكن والتهديد الإرهابي المتصاعد، وقضايا الهجرة وتصاعد النزعات اليمينية العنصرية، لكن من المؤكد أن ملل الناخبين ويأسهم وانعدام ثقتهم في الخطاب الأيديولوجي اليميني واليساري وفساد النخبة السياسية، كان وراء هذا التصويت غير المسبوق لرئيس لم يتجاوز 39 سنة من العمر، ومن دون ماكنة حزبية قوية، ومن دون أيديولوجيا تؤشر إلى اليمين أو الى اليسار بعكس ما تعود عليه الفرنسيون منذ بداية الجمهورية الخامسة وحتى اليوم.
لقد كان يكفي ماكرون أن خرج من عباءة الأحزاب التقليدية، ويرفع شعارات بسيطة وواضحة من نوع: «عقد اجتماعي فرنسي يضمن حقوق وحريات الجميع. لقد قال في حملته الانتخابية إن الهجرة كنز للدولة، وإن المطلوب تسهيل هجرة العقول ورأس المال، والعمل على خلق فرص عمل جديدة للشباب، وتخفيف الضرائب وتدريب العمالة، والتشبث بالاتحاد الأوروبي خيارًا وأفقًا ومجالاً حيويًا» حتى يقنع الملايين من الناخبين الفرنسيين، بمن في ذلك المنتمين إلى تلك الأحزاب التي مل الناس من شعاراتها وصراعاتها وسخافاتها السياسية، وفسادها.
ومن هنا تعتبر نتائج هذه الانتخابات الرئاسية -في وجه من وجوهها- فشلاً مدويًا للمنظومة السياسية القديمة، وللأحزاب المعروفة في إيجاد بدائل في الحياة السياسية الفرنسية، دفع بالناخبين إلى منح أصواتهم إلى هذا الوجه الجديد بالرغم من قلة خبرته السياسية.
وقد دفعت هذه الظاهرة الجديدة إلى عودة الحديث مجددًا عن «موت الأيديولوجيا» في ضوء يأس الجماهير من هيمنة الأحزاب التي يقودها في الغالب زعماء من المتقدمين في السن الذي يحملون قناعات تنتمي إلى أيدولوجيات، لم تعدْ قادرة على مسايرة التحولات والتحديات الجديدة التي يواجهها اليوم جيل الشباب. فالتحرر من سلطة الأيديولوجيا في النهاية هو تحرر من البناء الذهني، الذي يجعل الإنسان أسيرًا ومكبلاً بقيود المفاهيم، والقيم والشعارات الراسخة، وهو تحرر من القناع الفكري للأحزاب التقليدية التي عبث بها الناخب الفرنسي، (فمرشح الحزب الاشتراكي الحاكم حصل على 6% من الأصوات فقط على سبيل المثال).
ولكن هل بالفعل أن الأيديولوجيات قد ماتت، بعد تراجع وانهزام الأحزاب اليمينية واليسارية بالمعنى الانتخابي للهزيمة؟
الجواب في تقديري هو بالسلب، لأنه لم يعدْ من الضروري أن تكون الأيديولوجيا طرحًا فكريًا متكامل الأركان والنظام، مثل القومية أو الاشتراكية والرأسمالية، بل قد تكون مجرد تلك الفكرة المحورية البسيطة التي نشرها ماكرون وأقنع بها قطاعًا واسعًا من الناخبين الفرنسيين، تلك الفكرة التي أعطت المعنى للأشياء والأمل في أفق جديد، سواء بالنسبة إلى الفرد أو بالنسبة إلى الجماعة خلال بحثها عن معنى يخصها في خضم التحولات التي تعيشها. فالمشكلة إذن ليست في الأيديولوجيا نفسها، المشكلة (لأنه لا مهرب منها) بل المشكلة هي في الإصرار على أيديولوجيات تآكلت، ولم تخضع للمراجعة والتطوير، والمشكلة أيضًا تتمثل في اعتقاد بعض المؤمنين بهذه الأيديولوجيات أنها نهائية ومطلقة. ففي الواقع أن الأيديولوجيا يمكن أن تساعد في توحيد المجتمع، بنفس الدرجة التي يمكن أن تساهم في هدمه، لكن الفارق يكمن في التناقض بين الممارسة والخطاب السياسي، فالخطاب مهما كان مغريًا فإن التطبيق العملي هو ما يكشف حقيقته.

** تحولات خطيرة
إضافة الى قضايا البطالة والضرائب والاتحاد الأوروبي والهجرة والإرهاب، فإن إحدى أهم القضايا التي دار حولها الجدل السياسي والنقابي خلال الانتخابات الفرنسية الأخير، ما يتعلق بتلك التحولات المتعلقة نموذج (دولة الرعاية) الذي بدأ يتبخر مع الازمات الاقتصادية، مع تقدم النموذج الرأسمالي الأمريكي الفج الذي يبدو أنه في طريقه إلى التعميم. وحتى اليسار الفرنسي بدأ يتراجع عن مقولاته حول العمل والإنتاج والرعاية الاجتماعية مع ارتفاع ثقل الفاتورة. وبالرغم أن هذه الرعاية ما تزال موجودة إلا أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة، وحتى المنتمية إلى الاشتراكية، ما تزال تبحث عن موارد لتمويل الرعاية الاجتماعية، مع العمل على خفض الدعم المقدم لهذه الخدمات التي تضمن قدرًا كبيرًا من الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي..
فمن أجل منع انهيار ما تبقى من هذا النموذج الاجتماعي قدم مؤخرا ثلاثة من الخبراء الاقتصاديين حججا تدعم مبدأ «دولة الرعاية» مع نظام قاري للتقاعد، يغطي الجميع، يكون مكملاً وليس بديلاً من أنظمة الرعاية الاجتماعية الوطنية التي يجب أن تتمكن من الاستعانة عند الحاجة بصندوق أوروبي يتمتع بموارده الخاصة، ولذلك لم يعد غريبا أن تطالب الكونفدرالية الأوروبية للنقابات، منذ زمن طويل بإنشاء صندوق اجتماعي أوروبي حقيقي، يملك الموارد الكافية، كي يستثمر من أجل إيجاد وظائف منتجة، وتأمين النفقات المستقبلية للرعاية الاجتماعية، حيث تصبح الصناديق الاجتماعية قادرة على إنتاج الثروة.
كما تستطيع هذه الصناديق حماية المؤسسات المنتجة من هيمنة الرأسمالية المطلقة، وتعزيز موقعها في اطار المسؤولية الاجتماعية، بما يمكن من الانصراف لإنقاذ أنظمة الرعاية الاجتماعية وتحسينها، بقدر الابتعاد عن النموذج الأمريكي القائم على النزعة العسكرية الحربية القائمة على الرغبة في نقل انتباه المواطنين الأمريكيين عن المشكلات الاجتماعية الخطيرة، والتفاوت الطبقي الكاسح. فأوروبا الطامحة إلى أن تكون النموذج الأكثر مساواة ومسؤولية، من اجل مواطنيها ومن اجل باقي العالم، يفترض أن تمضي قدما نحو تأسيس العقد الاجتماعي، على مستوى القارة، ليسهم في بناء مواطنية مشتركة ترتكز عليها سياسة خارجية أوروبية أكثر استقلالاً وأكثر عدلاً وأكثر جاذبيةً لتتحول إلى نموذج حي يقتدي به وليس نموذجًا مستنسخًا من الحالة الأمريكية التي تتجه نحو التأزم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها