النسخة الورقية
العدد 11151 الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

الانتخابات في «الثيوديموخراطية» الإيرانية!!

رابط مختصر
العدد 10260 الجمعة 12 مايو 2017 الموافق 16 شعبان 1438

 لم تكن يوما الانتخابات الرئاسية في «الثيوديموخراطية» الإيرانية ولا التشريعية وما استتبعها من انتخابات أخرى مثار اهتمام بالنسبة إلي بقدر ما كان يثير اهتمامي وتعجبي هوس الراديكاليين والأصوليين من مختلف المذاهب الإسلامية في عالمنا العربي بالمثال الإيراني واتخاذهم له رمزا نضاليا تحرريا، وما كنت لأتبنى هذا الموقف إلا لأنني لم أؤمن يوما بهذا النظام القائم هناك وبهويته المسخ، فمن العار على كل ذي عقل أن يرى في العصابة الحارسة لمنظومة الحكم في إيران أمينة على نموذج فريد لنظام مدني قادر على صياغة منوال سياسي يحتذى به، ويتضاعف هذا العار إذا ما أصر المرء على موقفه وهو يعلم بالمعايير المتعارضة مع أبسط حقوق الإنسان التي يقرر وفقها مجلس صيانة الدستور تأهل المترشحين لهذه الانتخابات.

 وعلى الرغم من موقفي هذا، فإني لا أنكر أني أوليت الشأن الانتخابي في مثال «الثيوديموخراطية» الإيراني شيئا من المتابعة المتقطعة في هذه الأيام، خصوصا بعدما أذاعت الأخبار ونشرت الصحف في أبريل الماضي أن عدد الذين ترشحوا لهذه الانتخابات قد بلغ أكثر من 1600 مرشح، بينهم 137 امرأة. أكد مجلس صيانة الدستور على أهلية ستة من المترشحين فقط لخوض منافسات الدورة الثانية عشرة للانتخابات الرئاسية التي ستجري في التاسع عشر من الشهر الجاري جميعهم من الرجال، حيث إن النساء المترشحات قد لقين مصير البقية من المترشحين الرجال. وبالمناسبة فإن عدد أعضاء هذا المجلس اثنا عشر عضوا، يعين المرشد ستة منهم ويعين رئيس السلطة القضائية المعين من المرشد الستة الآخرين. وإنه لمما يثير الارتياب والشك حقا قدرة هذا المجلس بأعضائه الاثني عشر على تفحص أكثر من 1600 ملف شخصيا واختيار المتأهلين لخوض المنافسة على منصب الرئيس في فترة أربعة أيام فقط، تقع بين تاريخ 16 أبريل و19 أبريل كما حددها الجدول الزمني لانتخابات الرئاسية الذي أعلنته وزارة الداخلية الإيرانية، وهو لعمري أمر يكشف ما لهذا المجلس من قوة خارقة ونظرة فاحصة يتجاوز بها طاقاتنا نحن بني البشر. لكن ليس في ذلك وجه غرابة إذا ما عرفنا أن هذه القوة الخارقة مستمدة من خوارق المرشد العام والمرجعية لكل ما يواجه الأمة الإيرانية من المشاكل والأزمات!!

 نعم هذا الرقم الهائل من المرشحين يثير الاستغراب، ولكن الإثارة في هذا الرقم تتوارى إذا ما عرفنا أن دافع أغلب المترشحين أنفسهم للترشح لمنصب الرئيس في ذلك هو الاستهزاء والسخرية من المنظومة الانتخابية ومن خلالها من منظومة الحكم كلها. وقد أشار إلى ذلك أكثر من مسؤول إيراني كما هو الحال مع سفير إيران في لندن حميد بعيدي نجاد الذي عبر عن سخطه من المشهدية الانتخابية برمتها فقال: «تحول الانتخابات الإيرانية إلى مسرح للنكت والضحك والسخرية». وهذه شهادة شاهد من أهلها تعلن مشهدية سياسية تنطبق عليها معايير الملهاة بالمعنى المسرحي للكلمة، أما أنا فأفسر حفلة الانتخابات هذه، بالإضافة إلى ما تقدم، بأنها دليل ساطع على عدم قناعة شعبية بالنظام «الديمقراطي» الذي لم يفرز منذ نشأته قبل ما يقرب من أربعين عاما رئيسا واحدا كان في مقدوره إحداث تغيير حقيقي يمس مستوى حياة المواطن الإيراني، أو في استطاعته تغيير نهج الدولة من دولة نذرت نفسها لتصدير «الثورة» إلى دولة مدنية تعنى بمسألة التنمية المفضية إلى خلق السعادة للشعب الإيراني وتنعم وشعبها بوفرة خيرات الطبيعة الإيرانية وتغنم بما يوفره لها السلام على مستوى منطقة الخليج العربي من فرص تنموية لا تحصى عددا ولا تقدر بثمن. وعلى قدر ما يرى الإيرانيون سهولة تحقيق ذلك فإنهم طفحوا بؤسا من السنوات التي تمضي من دون فائدة تذكر فقرروا للدخول في منافسة المقربين من الطبقة الحاكمة والمستحكمة في مقدرات الشعب الإيراني المغلوب على أمره عسى أن يكون ذلك تنبيها لمن أعمتهم سلطة طلبوا تأبيدها بسلطان المقدس الديني.

 على الرغم من أن منصب رئيس الجمهورية في «سيستم» الملالي منصب مكمل لديكور الديمقراطية الإيرانية الفريدة من نوعها، إذ أن أمور الجمهورية السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تدار بواسطة مرشد الثورة والحرس الثوري، إلا أن منصب الرئيس، باعتباره وسيلة اتصال وتواصل مع العالم الخارجي، عادة ما يكون حكرا على الجيل الذي شارك في «الثورة»، أو المقربين منهم. وحتى لو قدر لأحد من المرشحين الذين لا يتمتعون برضا المرشد وفاز في الانتخابات فإن أيادي المرشد تتدخل في الوقت المناسب لقلب الطاولة على الفائز، وتزوير الانتخابات، كما حدث في عام 2009 عندما تم تزوير نتائج الانتخابات ليفوز بها للمرة الثانية محمود أحمدي نجاد، واعتقال المرشحين والمعترضين على النتائج، مير حسين موسوي ومهدي كروبي.

 في ضوء معطيات «الديمقراطية» في النظام الإيراني الثيوقراطي، فإن نتائج الانتخابات التي ستجري في 19 أبريل، والتي أقر مجلس صيانة الدستور بأحقية تأهل ستة من المتنافسين عليها كلهم -وتلك قمة الديمقراطية- من أبناء النظام، وإذا كان هناك ما يميزهم عن بعضهم البعض فإنها مسافة القرب من النظام وليس شيئا آخر، محسومة سلفا. ومن وجهة نظري، فإن الأكثر حظوظا في الفوز بهذه الانتخابات، روحاني أولا، قاليباف ثانيا، هذا إذا لم يتدخل المرشد والحرس الثوري لتغيير النتائج وجعلها لصالح مرشحهم، مرشح التيار المحافظ، إبراهيم رئيسي، وأعتقد في هذا الإطار أن المرشد لن يتخلى عن دوره في سبيل تأكيد سلطته المطلقة على المشهد السياسي الإيراني. ولعل تحذيره، أي المرشد، للمعارضين يوم الأربعاء الماضي بالقول «إن من يثور على النظام في بلاده سيواجه ردا شديدا.» يعطي الانطباع بما ستؤول إليه هذه الانتخابات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو: «لم يثور الناس على نتيجة الانتخابات؟»

 الإجابة القريبة منا تقول الآتي: يثور الناس على معايير الديمقراطية الإيرانية، التي لا تأتي إلا على هوى مرشد الجمهورية والطغمة الحاكمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها