النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

تقلص المجال السياسي إلى الانعدام الفكر قبل الأيديولوجيا والمصلحة قبل التنظ

رابط مختصر
العدد 10258 الأربعاء 10 مايو 2017 الموافق 14 شعبان 1438

تقلص المجال السياسي إلى الانعدام  الفكر قبل الأيديولوجيا والمصلحة قبل التنظيم..

 

نجاح الديمقراطية مشروط بالاستقرار السياسي، والاستقرار السياسي الاجتماعي مشروط بإقامة العدل بين الناس واحترام القانون، وما تواضع عليه الناس، واستقر من الثوابت. ولذلك فإن أي حديث عن الديمقراطية في غياب هذه المعادية يكون معلقًا في معجم المصطلحات لا صلة له بالواقع. وهذا ما يفسر تحول المسألة الديمقراطية عندنا في معظم الأحيان إلى مجرد لغو، والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى ضعف الثقافة السياسية والقانونية، والى غياب التنمية السياسية التي أصبحت ضرورة أكيدة لأي مجتمع يطمح للتحول الديمقراطي، والتي لا تخفى أهميتها كأساس لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والشراكة الوطنية التي تربط بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المحلي، بما يجعلها ضرورة وطنية، وليس مجرد خيار، لان من خلالها يتعرف المواطن على حقوقه وواجباته الدستورية ويشارك مشاركة فعالة وإيجابية في الحياة السياسية، لهذا كان لا بد من إجراء إصلاحات تشريعية من خلال القوانين التي لها علاقة بالحريات والواجبات التي تمس المواطنين، لتحفيزهم على المشاركة السياسية. وتركز التنمية السياسية في مفهومها ودلالاتها النظرية، على مقولات التحديث في أنماط النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تهدف إلى الإلحاق الحضاري للمجتمعات النامية مع الدول المتقدمة لتحقيق التنمية المستدامة فيها وبناء الدولة الوطنية القوية وتدعيم قدرات النظام السياسي، لكن هذه التنمية الن تنجح دون إطلاق الحريات وحمايتها، باعتبارها عماد الديمقراطية، ولن تنجح من دون وجود تعددية سياسية وفكرية ضمن الثوابت القائمة.
كما ان هذه التنمية لن تنجح ولن تحقق أهدافها من دون تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم، وعدم النظر إلى الدولة من زاوية المصالح الشخصية من دون أن يضطلع بتحمل مسؤولياته الكاملة.
ولكن لا يمكن للتنمية السياسية أن تحقق أهدافها في ظل وجود حالة من الفوضى السياسية والرغبة في تجاوز القانون وعدم الالتزام بأسس العمل السياسي القانوني، وفي هذا السياق غالبًا ما نتوجه بالنقد إلى التجربة السياسية العربية الرسمية، من دون توجيه النقد للحركات والجمعيات والأحزاب والجماعات السياسية العربية التي يتسم تصرفها السياسي بالارتباك والتناقض، وانعدام الرؤية، بما لا يساعد على الاسهام في تطوير الحياة السياسية، بقدر ما يسهم في بناء تقاليد غير سوية في العمل السياسي، على مستوى بناء القيادات أو على مستوى البرامج والأفكار والرؤى، والعجز عن وضع بدائل او امتلاك قوة الاقتراح، والاكتفاء بالتعبير عن السخط من دون الإسهام الفعلي في حل المشكلات..
ومن هذا المنطلق تحتاج التجربة السياسية المعارضة إلى الكشف عن أسباب الانحراف التي تجعلها تصاب بالاضطراب والتخبط، فتصبح الروابط التنظيمية فيها هي المحددة في سلوك المنتمين إليها، ويختزل العمل السياسي بعدئذ فيما يشبه الطقوس التنظيمية الفارغة من أي محتوى، باستثناء الشكل الذي سريعًا ما يتحول إلى مضمون عند استفحال الخواء السياسي، ويمكن أن نسوق في هذا الإطار نماذج من المشكلات ذات العلاقة:
-المشكلة الأولى: لجوء العديد من الجمعيات أو الأحزاب الدينية إلى استخدام علامة (مقدس) في أدبياتها وفي سلوكها وفي قراراتها، فهي مقدسة قولاً وفعلاً، ليس في مواجهة السلطة القائمة فحسب، بل في مواجهة الجميع، مجتمعًا ومؤسسات وأفرادًا. وفي الأثناء، وبسبب قوة تأثير التيارات الدينية في الشارع وتعاطف الناس معها، انزلق قسم من اليسار إلى التحالف مع هذه التيارات في مواجهته للأنظمة، متجاوزًا كافة الأطروحات المتعلقة بالمسألة الدينية في بعدها الطائفي، في اتجاه القبول بالتحالف مع تيارات ذات الطابع الطائفي، وبذلك فقدت معظم القوى اليسارية حضورها ومصداقيتها بين الناس، وبالتالي تأثيرها فيهم.
- المشكلة الثانية أن التيارات الدينية التي اقتحمت العمل السياسي المباشر لم تنجح - بالرغم من حصولها على عدد مهم من أصوات الناخبين ووصولها لحجز عدد من المقاعد في البرلمانات العربية - في بلورة برامج سياسية واضحة يمكن متابعتها وتقييمها وتنفيذها، مما كرس ثقافة «الشعار الغوغائي العاطفي» عللاً حساب الإنجاز، فاصبح العمل السياسي أقرب إلى الشعارات الدينية منه إلى البرامج والمشاريع العملية قابلة للاختبار..
- المشكلة الثالثة: تحول العمل السياسي - استنادًا إلى ما تقدم - من أهداف وبرامج إلى سلوك تحكمه مصالح التنظيم وامتيازات القائمين عليه وتحول الهدف من خدمة المجتمع إلى خدمة التنظيم الحزبي، وتحول رجل الجهاز بديلاً عن رجل السياسة بمعنى حامل المشروع والبرنامج والتطلعات القابلة للتنفيذ والمحاسبة والاختبار، وتحول العمل السياسي من صناعة البناء الفكري البناء والفعال والمؤثر في الناس إلى خطاب أيديولوجي ملفق غير قادر حتى على بناء منطقه الداخلي واقتناع أفراد الحزب أو الجمعية فما بالك بالجمهور العريض من الناس.
إن هذا الوضع الذي تعيشه الحياة السياسية العربية قد أسهم في إقامة حياة سياسية سليمة وطبيعية مثلما هو الشأن في البلدان الديمقراطية، وأصبحت السياسة حكرًا على الأشخاص زعماء الجمعيات والأحزاب الذين يبدون متعالين (أو حتى مقدسين في بعض الحالات) وغير قابلين للنقد فما بالك بالمحاسبة.
والحقيقة أن المواجهات الطويلة بين الأحزاب المعارضة والأنظمة العربية قد أدت إلى تقليص المجال السياسي إلى حد الانعدام، فكانت المعارضة التي فرض عليها العمل خارج الشرعية تنشغل بالأساس بالعمل السياسي غير القانوني، حتى إذا انتهت فترة المواجهات المباشرة بين الطرفين، كان الرصيد السياسي للسلطة وللمعارضة على حد السواء في مستواه الأدنى، بما جعل مهمة الإصلاح وإعادة البناء في إطار التعايش الديمقراطي صعبة، لغياب البرنامج السياسي الديمقراطي الذي يشكل البديل الإيجابي الذي تجتمع حوله القوى السياسية الموالية والمعارضة معًا، لذلك سريعًا ما يعود الصراع بين السلطة والمعارضة الى مربعه الأول، وتضطر السلطة إلى التراجع والمعارضة إلى العودة إلى الممارسات القديمة...
إن المطلوب في النهاية هو استيعاب المفاهيم والتصورات التي قادت إلى التأزم السياسي، ومازالت إلى الآن تعمل على تخريب أي إمكانية حقيقية للتقدم نحو الأمام، لترسيخ الديمقراطية فعلا وقولا، في العمل الحزبي والرسمي، ثم العمل في ذات الوقت على بناء ثقافة جديدة تقدم الفكر عن الأيديولوجيا، والمصلحة الوطنية عن التنظيم.

همس
كيف لي أن أدوس على
خمسين عام من العشق
وبقايا وصور عتيقة؟.
كيف لي أن أسوق الذكرى إلى الذاكرة؟
إلى أنجم قلدتها الغيوم مرايا الظهيرة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها