النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

الفنان راشد العريفي والحلم الدلموني

رابط مختصر
العدد 10256 الإثنين 8 مايو 2017 الموافق 12 شعبان 1438

ترجَّل أخيرًا الفنان الانسان الطيب الدمث راشد العريفي عن صهوة حصانه، تاركا خلفه ميراثًا غنيًّا ونتاجًا غزيرًا متنوعًا، بحاجة في المستقبل لدراسين وباحثين وفناننين تشكيلين تقديم دراسات حول المسيرة الطويلة لحياة هذا الفنان، والتي تجاوزت النصف قرن من الصراع والجلد والمكابدة الحسية والنفسية مع الفرشاة والكانفاس، مع المادة والموضوع وكيف ترهق رؤية الفنان عملية البحث عن فكرة معينة، رؤية يتغلغل في أعماقها كلما خطى نحو الحياة أبعد وأغزر، فحيرة الفنان في الوجود وتساؤلاته لا تتوقف فتلك هي مبعث ابداعه، رافده الذي يتغذى من حياته كما يتغذى الماء من نهر الحياة. 

تناول حياة الفنان راشد العريفي خصبة نتيجة تلك العقود من التنوع والتجدد الفني في الاساليب والالوان، والتي ظلت تعكس تعطشه وتفاؤله وصمته وتأمله لهذا الكون والمجتمع وبكل ما يدور فيه من تجاذبات، قد تبدو في الكتابة والنص واللغة والموسيقى اسهل في تعبيراتها عن اللغة التشكيلية، فالفنان يترجم بتلك اللغة معاناة متوترة وصامتة ومتفجرة في ذات الوقت وغضب الالوان وسكونها وبرودتها، تلك المتناقضات في النسب والالوان والكتل والمساحات قد تستعصي على بصر المشاهد العادي حين يقف أمامها، ويحتاج وقت لتفكيك ما يجول في تلك اللوحة كعمق ومساحة زمنية، وكانت تبدو بلا حركة مثل ايقاع النغم الموسيقي. 

هناك جماليات في تعدد المدارس والاشكال الفنية حاول الفنان راشد العريفي اجتيازها خلال مرحلة تجريبية طويلة، فهو ضمن رواد تلك المرحلة لم تبتعد بداياتهم عن التأثيرية الواقعية لبيئة روتينية لا تغري العين إلا بالمنظور الساكن، البحر والسفينة والغواص وفلاح القرية ونخلة مهجورة وبؤس حياة راكدة، هكذا كانت تلك البدايات المشتركة للجميع والقادمين من مجتمعات صغيرة محدودة، وثقافة بسيطة لا يمكن للريشة ان تقول وتستنطق بأكثر مما هو سائد، هكذا عاش كاتب القصة والشاعر البحريني في زمن الستينات والسبعينات، كلهم مروا من النوافذ نفسها والموضوعات ذاتها بالكلمة والتشكيل، غير أن التراكم التجريبي الحياتي عند راشد العريفي، لن تكون مساحته المحرق والبحر والناس البسطاء، فقد كان يتوق للخروج من الخاص للعام، من المحلي الضيق الى الوطن الواسع ببحره وناسه، للغة العالمية التي لا يعرف اللون ولا الفرشاة سر الانتماء الانساني لعالم الفن والجمال والخير. 

كان على ذلك الفنان أن يختبر فرصته وطاقته ومخزونه، أن لا يقبل بالركون والمحدود، يومها لجيل العريفي لم تكن هناك مرجعيات ثقافية وفنية يستلهم منها تكوينه وصقل موهبته، لم تجد تلك المواهب الرائدة بعد التعليم الثانوي مدارس اكاديمية عريقة راسخة مضى عليها قرن كالدول العربية ولا مدارس مر عليها قرون كالمدارس الاوروبية، فما كان من جيل راشد إلا باللجوء لما يسمى التعليم الذاتي self-taught ، وهي مهمة عسيرة وصعبة تحتاج الى صبر أيوب في التنقل بين معارف مختلفة كالنحت والرسم والموسيقى والقراءات المتنوعة في الفكر والادب والفلسفة والتراث، لتصبح تلك الروح المتعطشة اكثر عمقًا وتشكلاً من الداخل الروحي، وكلما نهل راشد أكثر من قراءاته دخل أكثر في الحيرة والاسئلة والبحث عن الذات في عالم وجد نفسه عاشقا مهووسا به دون ان يبوح، كعشق اي انسان لعالم الادب والفن. 

دون شك تغذت روح ذلك الفنان منذ نعومة اظفاره بدهشة اللون الشعبي في بساطة الاقمشة والوان البيئة والطبيعة، ولكن العشق يكبر معه كما الحياة، فكان السؤال أعمق حول التاريخ والحضارة والانسان، وكيف يوظف تلك الرموز والاشارات والتعبيرات فيها، فكانت الحضارة الدلمونية في وطنه حلم يستفز ذاكرته وروحه وعليه التنقيب والتفتيش فيها بعمق، لتكون حصيلة ذلك التنقيب مشروع اللوحات الدلمونية، مدرسة تميزه عن بقية الرواد والفنانين، هذه المدرسة الفنية التي ميزت راشد، بحاجة لدراسات معمقة ولتبقى ملهما ودروسا فنية وثقافية للجيل القادم، ربما الاشياء التي تمر على البصر بسرعة لا نكتشف جمالياتها وبساطتها كلوحات بدائية هي أعمق في خطابها اللوني والتعبيري عما نعتقد. 

تذكرني لوحات راشد الجدارية الدلمونية وجسمه الضخم بقلبه العصفور بنفس التقارب من بساطة لوحات فريدا كالو التي ثقفت موهبتها ونفسها مع زوجها الفنان الجداري المكسيكي العظيم دييغو ريفيرا، الذي التفت لاهمية توظيف حضارة الازتيك المكسيكية وربطها وعصرنة موضوعاتها بالوقت الراهن الذي يعيشه، دون شك المكسيك ليست البحرين ولا تجارب الفنانين واحدة، ولكن ما هو متقارب هو بساطة الالوان والموضوعات الشعبية والتاريخية الموظفة في تلك الاعمال العظيمة التي تكتسب خلودها من عنصري البساطة والعمق، من مزج التاريخ والجمال في تناغم كبير لا يموت. 

وبما ان البحرين مهتمة بربط السياحة بالثقافة او الثقافة السياحية، فإن مدينة المحرق هي المكان المناسب لمتحف باسم الفنان راشد العريفي، تخلد تاريخه ونتاجه الذي بات ملكية مجتمعية مرهونة بثقافة الوطن كله. 

ابن المحرق العريفي هو ابن هذا الوطن وريشته هي ضوء روحه المستمرة في تربته، ومن سيدخل المتحف زائرًا، فإنه سيرى روح ذلك الشعب بتاريخه الدلموني الذي كان حلم راشد الأبدي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها