النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

إعادة هيكلة الجهاز الحكومي

.. الضــرورات الإكراهــات والمخــاوف!

رابط مختصر
العدد 10256 الإثنين 8 مايو 2017 الموافق 12 شعبان 1438

من الطبيعي أن تكون إعادة هيكلة الجهاز الحكومي ومراجعته باستمرار من الضرورات المؤكدة في أغلب دول العالم، وتزداد الحاجة الى هذه مثل هذه المراجعة عند تراجع الموارد المالية، أو عند الأزمات الاقتصادية التي يصبح فيها الإنفاق على الجهاز الحكومي حملاً ثقيلاً، يستنزف الجزء الأكبر من موارد الميزانية.

وهذا هو تقريبًا حال الأجهزة الحكومية في معظم البلاد العربية، حيث تتضخم في الغالب، فتترهل، فتخرج من أداء الدور الوظائفي بالمعنى الإداري للكلمة، الى أداء نوع من الدور الاجتماعي الذي يتحول تدريجيًا إلى عقدة أو عقبة حتى أمام التطوير، حيث يكون لعملية المراجعة في الغالب ثمن اجتماعي كبير قد لا تتحمل الدول.

وقد رأينا ذلك حتى في حال بعض الدول المنتمية الى الاتحاد الأوروبي، مثل اليونان الذي سحقته الازمة المالية منذ بداياتها الأولى في 2008 وتداعياتها اللاحقة بين 2011 و2014م، حيث تم تسريح حوالي 20% من الموظفين الحكوميين وتحويلهم الى التقاعد المبكر في إطار إعادة هيكلة الجهاز الحكومي، تنفيذًا لحزمة من اشتراطات الاتحاد الأوروبي لإنقاذ اليونان من الإفلاس، فأدى ذلك إلى اضطرابات اجتماعات غير مسبوقة، دفعت جمهور الناخبين اليائسين الى انتخاب حزب سيريزا اليساري المناهض لسياسة التقشف.

ولكن متى يمكن اعتبار إعادة هيكلة الجهاز الحكومي محورًا من محاور تطوير القطاع العام سواء في ظل الأزمات أو بعيدًا عنها؟

إن المراجعة وإعادة الهيكلة من العناصر الأساسية في التطوير والدفع بهذا الجهاز الحكومي الى افق الفعالية والإنتاجية والترشيد في ذات الوقت. فعلت ذلك دول كبرى ومتقدمة في وقت مبكر من تسعينيات القرن الماضي، فعلت ذلك الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وكندا وغيرها، ولكنها عندما أقدمت على ذلك قامت بربط اعادة الهيكلة بزيادة الكفاءة وترشيد الانفاق ورفع الإنتاجية والحوكمة الرشيدة.

لكن، ووفقًا للتجارب الإصلاحية المعلومة، فإن التقليص في الجهاز الحكومي لوحده ليس كافيًا - خاصة في ضوء الثمن الاجتماعي الذي يمكن دفعه مقابل هذا التقليص - إلا إذا كان ذلك مرتبطًا بجملة من الإجراءات المتزامنة، والقرارات الجريئة التي تمس هندسة العمل الحكومي، والحد من التداخل والتكرار وضعف التنسيق، إضافة إلى إعادة النظر في أساليب المحاسبة والرقابة والقضاء على جميع صور الفساد، ومعنى ذلك فإن عدد الوزارات والهيئات الحكومية في حد ذاته، ليس هو الأساس في إعادة الهيكلة - وان كان جزءًا منها - وانما الأساس هو ربط ذلك بإصلاح إداري شامل، يركز على مفهوم الإدارة الرشيدة، لزيادة الكفاءة والفاعلية، وتعزيز مبدأ المساءلة الإدارية، ومنح المزيد من الصلاحيات للأجهزة التنفيذية، والتقليل من الإجراءات الإدارية المركزية التي تتسبب في اهدار وقت ثمين وتؤخر اتخاذ القرار، حيث يضيع أغلب المسؤولين الوقت في حماية انفسهم وتحصينها من الأخطاء، اكثر من حرصهم على سرعة الإنجاز وجودة العمل؛ لأن المهم بالنسبة إليهم هو عدم مخالفة ادلة الإجراءات.

إن المشكلة إذن تبدأ عندما يكون المقصود بإعادة الهيكلة التقليص فقط في عدد الوزارات والهيئات والمراكز الحكومية، وإلغاء التكرار والتداخل، ولكنه يعني أيضا إعادة النظر في الوظائف، من حيث عددها ونوعيتها وادوارها، وزيادة الفعالية من خلال الحد من الترهل، كما تعني أيضا التجديد في القيادات الإدارية التنفيذية، تعظيم عنصر الكفاءة والفعالية والقدرة على الإنتاج والإبداع والتطوير. 

ولا شك أن من بين أهم ثمار الهيكلة المرتقبة في المنظور الإيجابي الذي يجمع بين تقليل المصاريف من ناحية وتحسين أداء الأجهزة الحكومية من ناحية ثانية: تقليل النفقات، التقليل من الهدر، زيادة فعالية عمل الأجهزة الإدارية، وزيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية والارتقاء بالأداء ورفع كفاءة تشغيل الموارد. ومع ذلك هنالك العديد من المخاوف والتحديات التي تواجه مثل هذا التوجه، حيث تتولد عن إعادة الهيكلة، وبشكل فوري الاستغناء عن عدد ليس بقليل من الكوادر التنفيذية والإدارية، وربما حتى تسريح عدد كبير من الموظفين، مما قد يولد إشكالات في أداء الجهاز الحكومي، فضلاً عن التبعات الاجتماعية الثقيلة، وتحميل الصناديق الاجتماعية أعباء إضافية نتيجة للإحالة المبكرة على التقاعد، لن يكون في وسعها تحملها على الأرجح. وبذلك نكون كمن نقل المشكلة من مكان الى آخر ولم يحلها. 

صحيح أن هنالك تحديات كبيرة ناجمة عن تراجع موارد الموازنة العامة للدولة، وصحيح ان الجهاز الحكومي يستنزف حاليًا جل هذه الموارد في شكل رواتب، إلا أن عدم الاستجابة لهذا التحدي سوف يلقي بظلال سلبية على المستقبل، خاصة في ظل تحدي الانخفاض المتسارع لأسعار النفط والمتوقع أن يكون طويل المدى، ولذلك توجب الاحتياط له بسلسلة من السياسات والإجراءات الملائمة لمواجهة العجز واختلال الموازين، وتعثر التدفقات الاستثمارية والمعونات الخارجية، وكيف يمكن تخفيف الأضرار المحتملة إلى أدنى حد ممكن. إنها معضلة حقيقية، تحتاج الى تبصر في المعالجة وقراءة كافة الجوانب في ترابط نتائجها وآثارها؛ وذلك لأن انقلاب الأوضاع الاقتصادية من النمو إلى الانكماش ومن الانتعاش إلى الركود، من شأنه أن يؤدي إلى أزمات اقتصادية واسعة، من شأنها أن تؤدي إلى انحصار النشاط الاقتصادي بصورة أسرع، ويصبح الأمل في إيجاد حلول سريعة لتلك الأزمات محدودًا، ففي ظل العولمة الاقتصادية أصبحت اقتصاديات الدول أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، الأمر الذي يؤدي إلى عولمة الأزمات الاقتصادية.

إن مراجعة التشكيل الحكومي في ضوء أولوية الوضع الاقتصادي والمالي خطوة ضرورية رغم الآثار السلبية المحتملة على الموظفين، ولكن يجب ان تجري مثل هذه العملية بقدر كبير من التمحيص والتدقيق لتقليل الاثار السلبية لمثل هذا التوجه، ومنها ضرورة الأخذ بمنهجية التدرج في معالجة مثل هذه الإشكالية. كما أن التحدي يظهر الحاجة الملحة أيضًا إلى اجراء مراجعات مستمرة، وإلى تنظيم العمل الاستشرافي وإضفاء طابع الاسترسال عليه. وذلك لأن بعض الظواهر السلبية لا ترتبط جميعها بمحدودية الإمكانيات فحسب، وإنما أيضًا بالحاجة الملحة إلى التخطيط طويل المدى وإلى رؤية استشرافية.

 

همس

 

تأخرت ذاك المساء طويلاً.

وضيعت ذاكرتي في الطريق. 

جمعت اشتات الروح مبعثرة.

ما كنت أحسب الورد يموت لحظة، 

 ويعاد نشره في الصباح.

في ذلك المساء اختتمت الروح أقوالها، 

وماتت في الصباح.

خذي الوردة واستأنفي الفجر

قبل فوات الأوان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها