النسخة الورقية
العدد 11062 الثلاثاء 23 يوليو 2019 الموافق 20 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:29AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

التوماهوك في الشعيرات والقشعريرة في بيانغ يونغ

رابط مختصر
العدد 10252 الخميس 4 مايو 2017 الموافق 8 شعبان 1438

لم تكن مياه شرق البحر المتوسط تتراقص عليها باخرة الروائي عبدالرحمن منيف وهي في ليل ربيعي بارد قريب من تنفس صباحي باكر في طريقها للجزر اليونانية كما هي رواية «شرق المتوسط» وإنما بحر شرق المتوسط هذه المرة حمل رعبًا تنينيا، حين اطلقت مدمرتين امريكيتين 59 صاروخًا من نوع صواريخ التوماهوك المجنحة فقد انطلقت تلك الصواريخ في السابع من ابريل 2017 نحو قاعدة الشعيرات الجوية، تلك القاعدة الواقعة في الجنوب الشرقي من ريف حمص، حيث تتهم المعارضة السورية والولايات المتحدة أن من تلك القاعدة انطلقت الطائرات التي رمت خان شيخون بقنابل كيماوية. لذا جاءت رسالة التوماهوك الامريكية تحمل ثلاثة أبعاد متعددة الاتجاهات والاهداف، ففي البعد والهدف التكتيكي كمن الاستهداف في تدمير طائرات وحظائر الطائرات ومناطق لتخزين الوقود والمواد اللوجستية ومخازن الذخيرة وانظمة دفاع جوي ورادارات، وبأن السياسة الخارجية الامريكية الجديدة لن تتردد في استعمال العنف عند الحاجة والضرورة الدوليتين. ورغم ان الضربة لم تكن إلا جزئية ومحدودة «ومداعبة عسكرية بالصواريخ !» فقد حققت فيها الرسالة السياسية والعسكرية لأطراف اربعة دفعة واحدة، يشكل ثلاثة منها في قائمة امريكا والعالم محور الشر، فيما روسيا القوة العظمى التي تقف دوما في اسناد ودعم تلك الدول وفق مصالحها، حين يقتضي الروليت الروسي تحريك بيادقه في رقع شطرنجية متنوعة تمتد في آسيا والشرق الاوسط، كما حمل البعد الثاني بعدًا استراتيجيًا دوليًا مبعثه ان الولايات المتحدة لن تسمح لأي طرف كان بأن ينتهك القوانين الدولية ويستعمل اسلحة محرمة ويجتاز الخطوط والسور المسموح له بتسلقه. لهذا كانت الرسالة موقعة بختم امريكا ومعنونة بعبارة «لمن يهمهم الامر» فيما كان البعد الثالث بعدًا سياسيًا وعسكريًا، ليس لسوريا وايران وحدهما هذه المرة، وانما لحكومة كوريا الشمالية، التي تهدد باستمرار جيرانها بخطاب القوة وبأنها مستعدة لتوجيه ضرباتها الصاروخية لدول الجوار بل ويعلو صوتها مهددًا حتى يصل قاعات البيت الابيض. وبما ان الولايات المتحدة تراقب حالات الهوس المصابة به حكومة بيانغ يونغ بنزعة التسلح وعسكرة اقتصادها منذ نشوء تلك الدولة، حيث تبتلع النفقات العسكرية مبالغ باهظة على حساب معيشة الشعب البائس، فهو يعاني من الضنك والحرمان، لأبسط حاجات مقومات عصرنا من حداثة واستهلاك وتقدم وتواصل مع الكوكبة العالمية، مفضلين قادتها حالة العزلة والانغلاق للبلاد نتيجة الخوف من الاحتكاك بالعالم الراسمالي، خشية من أن يبتلع ما تبقى لهم من حدود بلادهم. وفي الوقت الذي كان (الرئيس /‏ الحفيد) يحتفل بعيد ميلاد جده (العظيم /‏ كيم إيل سونغ) المؤسس وبمرور 104 أعوام على ميلاده، محاولاً استعراض قوته العسكرية، فلعل العالم يهاب المشهد التمثيلي، متناسيًا ان كل ذلك الجبروت العسكري لم ولن يدوم او يتماسك من الانهيار كل هذه العقود، لولا دعم الاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا حاليًا وجمهورية الصين الشعبية، التي لا يمكنها ترك تلك الورقة السياسية تفلت من يدها في لعبة التوازن الاقليمي في الشرق الآسيوي البعيد وبحر الصين.
لقد كانت صواريخ التوماهوك في الشعيرات السورية تقض مضجع الزعيم الكوري الشمالي واهراماته المتصدعة من جنرالات الاوسمة البالية ـ فوجدها فرصة سانحة لترعيب شعبه محاولاً اخلاء العاصمة من ثلث سكانها وكأنما بيانغ يونغ في حالة طوارئ قصوى وان طبول الحرب مع الولايات المتحدة ليست بينهما الا شعرة معاوية. كانت فرصة تاريخية يعبث بها الحزب الحاكم في بيانغ يونغ ليؤكد لشعبه نحن ايضا مستهدفين وما حدث بسوريا ممكن ان يحدث عندنا، حيث تذكر «الزعيم الشاب» الوريث الامبراطوري لسلالة الجد «العظيم» كيم ايل سونغ والاب «العزيز جيم» وفق التصنيفات الكورية لقادة مصابون بالضمور السياسي لحركة التاريخ. كانت القشعريرة واضحة في البيت الكوري الشمالي عندما تحولت تهديدات ترامب واقع عيان لمشاهد حية، وبات كلامه واضحا في اجتماعات الحزب المغلقة فقد رن في إذنها بقوة ما قاله وزير الخارجية الامريكي ريكس تيلرسون: «ان الضربة على سوريا دليل على ان ترامب يتحرك عندما تقوم دول بتجاوز الخط!» وكأنه - ترامب - بضرب الشعيرات يؤكد حقيقة انه لن يسمح بانتهاك القوانين والاتفاقيات الدولية باستعمال اسلحة محرمة، وكأنه يقول للكوريين «وقد اعذر من انذر» فلم يكن رد فعل الخارجية في ايران لتلك الضربة إلا تصريحًا بائسًا وشاحبًا بتبريرها ان الضربة الامريكية «تعزز من قوة الارهابيين» وهم على وشك هزيمة نهائية، محاولة ايران اخضاع حالة الارهاب في كابوس داعش لا غير، متناسية موقفها الفعلي، ونست ان العالم ما عاد يجهل الحقائق والدور الايراني في تصدير مشروعها الارهابي التوسعي.
دون شك قشعريرة ايران وكابوس التوماهوك كان اقل حدة من ارتباك الزعامة في نظام كوريا الشمالية، الذي لا يتوقف عن «مواويل التهديد لجيرانه والمجتمع الدولي !». والمضحك ان الكرملين اهتم بمقولة انتهاك دولة «ذات سيادة !!» تلك النصوص المتقلبة على ظهرها وبطنها في الصراع الدولي، ومع ذلك التوتر بين موسكو وواشنطن اضطرت الخارجية الروسية تعليق اتفاقية سلامة الطيران مع الولايات المتحدة فوق سوريا دون أن تنسى انها اتفقت مع دولة اخرى في فضاء دولة ذات سيادة، وبالفعل فالحكومة السورية قرارها ما عاد في يدها نهائيا لا على الارض ولا في السماء!
والكبار لا ينسون البرتوكولات بينهم لتجنب الاحتكاك وترك حالة التشاور مستمرة والتنسيق ضروري احيانا، فالبنتاغون صرح انه ابلغ القوات الروسية بالضربة الصاروخية قبل حدوثها لافتا انه لم يستهدف اجزاء من القاعدة الجوية السورية.. وفي ذات الوقت لم تطلب امريكا الموافقة من روسيا على تنفيذ الغارات.
وبعد مشاهدة عدة افلام على اليوتيوب وقراءة تحاليل واخبار من عدة مصادر كان ملفت للنظر حجم الكذب من كل الاطراف في اللعبة الاعلامية، ففي الوقت الذي لم تنشر وكالات غربية صورًا حيّة كالقنوات الروسية، كانت المعلومات تشير الى حالة تدمير كبير وضخم، حيث القنوات الروسية واخبارها تؤكد ان من اصل 59 صاروخًا اطلقت، 23 منها أصابت اهداف محددة، فيما البقية سقطت في محيط المطار. مثل تلك الاخبار المتضاربة في الرقم والمعلومة تجعلنا نعيد النظر في دقة وفاعلية صواريخ التوماهوك المجنحة، ومن في تلك الحرب النفسية والاعلامية يحاول فعلاً تضليل الرأي العام؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها