النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مواجهة ثقافة الدجل قبل أن يبتلعنا النسق الاجتماعي والماكنة الاقتصادية

رابط مختصر
العدد 10251 الأربعاء 3 مايو 2017 الموافق 7 شعبان 1438

تصنع الحضارات بالفكر والإبداع والحضور المتواصل في تأسيس ملامح الجدة والتحرير في نمط الحياة الممكنة ولا يمكن لحضارة من الحضارات أن تستمر في الحضور بدون تفجير طاقات تفكيرها وتعابيرها الفلسفية والإبداعية، مهما كانت درجة تطورها الاقتصادي وحضورها السياسي. هذه الحقيقة التي تبدو في أول وهلة بديهة، قد اختلفت حاليًا في عالمنا العربي تحت عوامل عدة قد نشير إليها فيما بعد، واختفاؤها فاجعة قد تجعلنا نتدحرج إلى متاهات من الصعب الخروج منها.
قد يعتقد البعض أن نهايات الإيديولوجيات الكبرى تبرر وضعنا الرديء على صعيد الفكر الفلسفة. وقد يرى آخرون أن العصر هو عصر الاقتصاد السوقي الذي يستبعد كل ما لا يمكن نابعًا ومجديًا في السوق الاقتصادي الوطني والعالمي، نعم، لا نشك في تحول الوضعية الثقافية والعالمية التي لم تعدْ مؤمن بالنظريات الكبرى الموحدة للمواقف والمنظرة للنضالات.
لم يعدْ هناك كلي يؤطر النظريات، ويحلل الإبداعات، ويشكل المنهج الأمثل لفهم صيرورة التاريخ، وتجليات الحياة الفردية والاجتماعية. نعم لقد أصاب الفكر نوع من الريبة والشك المتواصل في الأصول والظواهر على حد السواء، لاسيما بعد «حركات الحرية وإلغاء الحدود والمواطنة العالمية» والتحرر في العالم في أواخر الستينات، «مثل حركة (الهيبي) التي كثيرًا ما اعتبرناها هامشية» ولكنها غيرت مفهوم الفرد في المجتمع، وقدمت للحرية تمظهرًا جديدًا، كانت له انعكاسات كبرى في المجتمع. كذلك حركة مايو 1968 بفرنسا التي قادها طلبة الجامعات، والتي لم تكن سياسية بقدر ما تجذرت في التحرر الفكري والاجتماعي والثقافي والسيكولوجي والسلوكي الفردي. ورغم أن (حركات الحرية) هذه قد كانت تواصلاً لتيارين متناقضين، تيار تحرري جنسي يناضل ضد المحرمات، وتيار ماركسي فرويدي ثوري يستمد قوته من التنظير للثورة ولقيام نظام كلي في كنهه، إلا إنها مهدت الطريق إلى النضال من أجل الحرية: الحرية في كل شيء، وبدون استثناء، مما أعاد للفرد مكانته بعد أن ابتلعه النسق الاجتماعي أو المكننة الاقتصادية السياسية.
إن أهم إنجازات هذا العصر المعولم اليوم، أن الثقافة فيه قد تحولت إلى بديل عن الأيديولوجيات الكليانية، إلا أن التحدي الأكثر أهمية اليوم والذي فرضته الوقائع الجديدة على الأرض هو كيفية تحصين الأجيال الجديدة وحماية شخصيتها من الذوبان، والجواب في كل الأحوال هو بالضرورة في نشر الثقافة ودمقرطتها وجعلها حقًا مشاعًا للجميع. وذلك بإيصال الثقافة الجيدة للجميع وجعل ثقافة النخبة ثقافة للجمهور في مواجهة ثقافة الغش والنصب والكذب والاستلاب والدجل.
ومن هنا، تكون أهمية حضور الثقافة - وهي الفعل القادر على التغلغل في النسيج الاجتماعي - في تلك الممارسة الاجتماعية والسياسة اليومية حتى لا تكون الديمقراطية قرارًا معلقًا في سماء المثال بل سلوكًا ناتجًا عن وعي وحاجة بأن تكون - مثلها مثل الحرية - المفردة الأساسية في حياتنا، احترامًا للقانون الذي توافق عليه الناس أولاً، واحترامًا للآخر ثانيًا، واحترامًا للثوابت ثالثًا، واحترامًا لشروط العيش مع رابعًا.
وليس المطلوب في النهاية سيادة الثقافي على السياسي أو (الاقتصادي) بل المطلوب على الأقل اعتبار (السياسي) للثقافي طاقة توجيه وخلق يقطع مع النفعية كممارسة شوهت الثقافي وأعاقت تطوره وحرمتنا ولمدة طويلة، من بروز قامات إبداعية تجسد حضورنا الثقافي على صعيد العالم الحي.
ولعل أولى مهام العمل الثقافي الديمقراطي يتمثل في حماية المكاسب التي حققها المجتمع المدني الذي تهدده أطروحات تريد جره إلى الوراء واغتيال كل طاقة إبداع، خاصة في غياب مواجهة أنماط ثقافية سلبية تقوض كل فكر خلاق يؤسس للحياة لا للموت.
ونعتقد، أخيرًا، أن مهمة صياغة البرنامج الديمقراطي لثقافتنا موكولة إلى جميع المثقفين، لأن الجلوس على الربوة أصبح موقفًا لا معنى له، بل قد يجوز لنا وصفه بأنه الموقف الذي يخون صيرورة ثقافتنا وتحول مجتمعنا وتقدمها نحو أفق الحداثة والتنوير والابداع بالتالي.
همس الشلل النصفي!
قال المذيع: ..والآن سأقدم لكم خبرًا يهز كل مواطن عربي!
 أثار المسكين شفقتي لأنه ما يزال يظن أن هناك أخبارًا تهز العرب، وأن المواطن العربي مازال يتفاعل مع ما حوله، وما يحدث في الساحة العربية.
كان الاهتزاز وكان رد الفعل علامة حياة قبل دخولنا عصر الاسترخاء والاستسلام والاستقالة والانخراط في لعبة الغياب والغيبوبة.. أما الآن فالشعار العربي الوحيد المرفوع عاليًا هو: أنني لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم، لا أفهم لا أقرأ، لا يهمني: «وإذا كان جلدي سالمًا فما لي ومال الآخرين». إنها لعبة مريحة جدًا، تحمي لاعبها من الانخراط والانزعاج والمطاردة والمساءلة. وسؤال الضمير.
إيثار (السلامة) قد غلب، والاستكانة والرضا بالدون هما القاعدة وسكنى الحفر صارت شعارًا أثيرًا، ولذلك فإن ذلك المذيع الذي كان ينتظر من المواطن العربي انه يهتز (لخبره) كان يخرف في الحقيقة، ويبدو مثيرًا للشفقة، ويعيش في عصر غير عصره.. لأنه يعيش خارج المرحلة، في أسوار (الأحلام) ولا يعرف ما يشغل بال المواطن العربي حاليًا. فلا القضايا الأمة مازالت تهمه، ولا حصار غزة وتجويع الضفة وضرب العراق مازال يثير حنقه. حتى جاء من يقول (إن العروبة ماتت ودفناها ودخلت التاريخ وانتهى أمرها وأصبحت ذكرى)!.
وبالعودة إلى الخبر الذي توقع المذيع المسكين أن يهز المواطن العربي نجد ان ملخصه ان تقارير اليونسكو حول شؤون التعليم والثقافة في بلاد العرب الواسعة تؤكد ان 160 مليونًا عربيًا فقط من مجموع 320 مليونًا يجهلون الكتابة والقراءة، وان نسبة الأمية تبلغ 50% فقط والحمد لله. ولكن الدراسة لم يستفزها هذا الرقم المهول والمخيف، وإنما الذي استفزها ان الدول العربية لا ترى في هذه الأمية المتفشية مشكلاً كبيرًا.
إن الخبر نفسه يحمل النفي الكامل لتوقع المذيع.. فأمة 50% منها لا يكتبون ولا يقرأون، من حقها ألا تهتز.. لأنها أمة مصابة بشلل نصفي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها