النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

«المعــزب» البنغالــــي!

رابط مختصر
العدد 10249 الإثنين 1 مايو 2017 الموافق 5 شعبان 1438

في الاسابيع الماضية تداولت وسائل التواصل الاجتماعي قضية تحركت بين الفضول الاجتماعي والدعابة البحرينية والمخيلة البحرينية الخصبة بتوزيع ونثر ما يمكن من القصص والحكايات حول شراء شخص «بنغالي» رقم سيارة بمبلغ كبير في خانة الالاف وليس الملايين من الدنانير في المزاد، فلم يلتفت احد لجوانب مهمة في تلك الشخصية كطلاقة ذلك البنغالي في تحدثه العربية بقدر ما اهتم الناس «لإنسان!» بدا انه قادم من كوكب او مجرة اخرى وليس شخصا قادما من بلد في الجوار ضمن الالاف من العمال والموظفين المهاجرين في العالم، حيث تتحرك تلك الهجرات بين مغامرة الموت وجنون الحلم بحثا عن الثروة.
الحكاية التي جذبت ثرثرة الشارع هي تلك النظرة «الاستريو تايب» للجنسيات فهي في نظر الغالبية العظمى في بلدنا انها شريحة فقيرة ومعدمة وليس لها حق او حظ بأن تصعد سلم المجتمع وتخترق تلك المساحات المخملية التي اعتدنا على ان تكون هي وحدها صاحبة تلك الثروة، متناسين حقيقة مهمة في الحياة بأن أي شخص في مجتمع رأسمالي لديه «فرصة» أن يثري ويتحول من شخص في قاع المجتمع الى ذلك الملكوت المغلق بالنعمة، بإمكان الشخص العامل والانسان العادي ان يصبح بعد مدة برجوازيا صغيرا ويراكم ثروته عبر البقالة وغيرها من فرص السوق المفتوحة، حيث الالوان تختلط كلها اجتماعيا وتنسج عالما من التحولات، ذلك البرجوازي الصغير قادر على ان يفتح له فرصة للصعود لموقع جديد ويصبح من الطبقة الوسطى دون أي معوق راسمالي يحد من فرصته في اختراق طبقات اغنى واكثر هيمنة على مجتمع التنافس بين «الحيتان» في سوق البورصة والمزادات العلنية والتكالب المحموم في فرص توسيع الثروة المحدودة الى ثروة فائضة تفوق مساحات وعمق خليج البنغال نفسه.
الستريو تايب البحريني عقلا وذهنية كان محصورا بنمطية الثروة والاغنياء القدماء منهم والجدد، محاولا ذلك التفكير النمطي حصرها في جنسيات محددة، ذلك التصنيف الاجتماعي الضيق لمن له حق الثراء او لا يجوز لهم اجتياز خط الفقر في الحياة وعليهم ان يموتوا في قعر البشر المعدمين. تلك النظرة كسرها مجتمعيا البنغالي الذي بات حــديث الساعــة وتوزعــت حوله القصـص الســينمائية.
ليكون واجهة لثري خفي ليكون هو ذاته الانسان دون مكياج من شق طريقه نحو مراكمة ثروته «المتواضعة» اليست البحرين ودول العالم كلها تتيح للبشر فرصة العمل وفرصة المغامرة باليانصيب والمتاجرة بكل انواعها المتاحة، الشرعية واللاشرعية، بالحلال والحرام، بالنزاهة والنصب، كلها فضاءات مفتوحة في مجتمع الفرص، على الاقل على المستوى الاقتصادي، ولربما يجد المجتمع ان الشركاء الجدد اقتصاديا من حقهم ان يكونوا شركاء في مستويات اخرى واجتياز سور النعمة واحتكاره الابدي، وتنتقل تلك العمالة الاجنبية ذات يوم من التصويت والترشح بلديا الى الترشح والانتخاب نيابيا، طالما ان دساتير البشر متغيرة والانظمة السياسية متحركة، فلا عجب ذات يوم ان يصبح زعيما كبيرا في كتلة انتخابية، فليست الولايات المتحدة وحدها بعد قرون من اتاحت لباراك الاسود من اصول اسلامية ان يصبح زعيم دولة عظمى بينما كانت ذات يوم يمنع على بني جلدته ركوب الحافلة المخصصة للبيض.
على الاقل لم يجد البنغالي هذا النهج العام في التمييز العرقي في البحرين ولم تكتب على زجاجات المحلات «ممنوع دخول البنغالي!» كما كان يفعل البيض في جنوب افريقيا وغيرها من البلدان. ينبغي ان ندرك ان البنغالي «السعيد!» القادم من عالم البؤس والفقر لا يعني ان مجتمعه لم تسده التراتبية الطبقية، وبأن هناك في بلده اثرياء ايضا، مثلما كانت ذات يوم جزءا من شبه القارة الهندية، حيث المهراجات يغطون انفسهم بالذهب وكنا نحن بلدان الخليج نعيش على ضفاف الفقر والجفاف لولا اكتشاف اللؤلوء وثروة النفط، التي اتاحت لنا حالة وفرصة الخروج من دائرة الفـقر المدقـع.
من تلك القارة التي طغى على غالبيتها الفقر ومشهد البؤس، تعيش نعمة فاحشة وثراء مهولا وعالم المهراجات الغني عن التعريف. مثل ذلك العالم بدا في منطقة الخليج ينمو تدريجيا ويتحول افراده خلال نصف القرن الاخير هم من قمم الاثرياء في العالم، لذا ستكون لامثال البنغالي متاحة اكثر فرص للصعود الاجتماعي والتحول من فئة دنيا مهمشة الى طبقة عليا مترفة ومنعمة، ففي وسط الثراء المتعاظم تبرز مواهب البشر في اقتناص الفرص، غير أن في مجتمع البؤس والفاقة تموت كل الفرص للصعود ليس للاجنبي المهاجر وحسب بل وللمواطن نفسه في داخل وطنه. اليوم النسيج الاجتماعي الجديد كما كان القديم، يقدم لنا نماذج وقصصا عن اسماء وعائلات جاءت ذات يوم بحثا عن اللقمة هروبا من ضفاف بلدان كانت الحياة المعيشية فيها قاتمة وكالحة، وكانت اكثر فقرا وبؤسا من مجتمع ذلك البنغالي صاحب الرقم السعيد في المزاد.
 لسنا في البحرين عام 1930 حيث القادمون الجدد كانوا يحلمون بفيض اكتشافات النفط وحراك السوق الفتية بالحياة، وانما العمالة الجديدة المتنوعة في عام 2017 من حقها ان تحلم وتتسع وتكبر وتساهم معك في التنمية والتقدم الاجتماعي، من حقها ان تلعب باوراق النرد كيفما يحلو لها وتحب، بعد ان راكمت ثروتها وصارت امور الرفاهية لها نعمة «اللعبة الغريبة!» التي يستغربها من جيوبه الخاوية وعقله الخامل الكسول، يدخله الحسد على شخصيات ناجحة غريبة عنه، لانها عرفت كيف تستفيد من الفرصة منذ اول لحظة وطأت قدمها ارض الحلم ارض النفط والثراء. لا يهمني مدى حقيقة ووهم صاحب المزاد البنغالي، بأنه اشترى ذلك من ثروته او ثروة غيره، بقدر ما اهتم بجانب واقعي وممكن في عالم الرأسمال وفرصه، وبأن من هم في القاع بامكانهم الوصول الى قمة السلم وإن لم تكن القمة فهو لديه فرصة التسلق، ولن يكون الامر مستحيلا ان نشهد شخصيات وقصصا من جنسيات اخرى عرفت كيف تشق طريقها نحو تحقيق حلم الثراء، فالبحرين اليوم بها اكثر من 180 الف بنغالي يعادلون نسبة من السكان، ويشكلون لوبيا ثقافيا واثنيا لا ينبغي الاستهانة به في لولب السوق الخفي والمعلن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها