النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

التربية والطائفية!!

رابط مختصر
العدد 10246 الجمعة 28 ابريل 2017 الموافق 2 شعبان 1438

 التاريخ يخبرنا على أنه لم يكن متيسرًا لأغلب المجتمعات البشرية أن تنشأ هويات مواطنية متميزة فعالة من تنوعها لولا تساميها على انتماءاتها العرقية والإثنية والعقائدية والمذهبية؛ لتبني لها بعد ذلك شخصيتها الوطنية الجامعة الفاعلة. لكن هل في المقابل سلكت المجتمعات العربية، ولو على مستوى الدولة الواحدة، هذا الطريق لكي تبني مثل الشخصية الوطنية الجامعة؟

 واقع الحال بالنسبة إلى بعض المجتمعات العربية يقول إنها وبدلا من أن تتلاقى فيها الأنواع والتعدديات ومن ثم تنصهر لبناء الوطنية الجامعة وتشرع في عملية البناء والتنمية، فإنها اختارت أن تبحث عما يُفرق، وتعمق فيما بينها العناصر التي تشتت، ولهذا مثّل لها هذا التنوع وهذه التعددية عامل إعاقة وعنصر ضعف باعد بينها وبين التنمية، وأخذت تتقوقع على ذاتها لتقيم بينها وبين الآخر المختلف معها جدرانا عزلتها في أوطانها وعن أوطانها؛ حتى قبعت بعض هذه المجتمعات في قاع التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وأنتج عدم الاستقرار والتفكك. وقد كانت الطائفية الدينية والمذهبية أهم إفرازات الفشل في بناء الوطنية الجامعة وأكثرها خطورة.

 المجتمع البحريني من المجتمعات التي ظلت ردحا من الزمن تفخر بتنوع أعراقها وتعدد مذاهبها مما زادها ثراءً ثقافيا، وقد استثمر آباؤنا وأجدادنا هذه الميزة أحسن استثمار؛ فشيدوا مجتمعًا متحابًا ينعم بالسلام ووضعوا اللبنات الأولى للنهضة التي نشهدها اليوم، لكن أين نحن اليوم من مجتمع الآباء والأجداد؟ فهل، يا تُرى، استطاع تسونامي الطائفية الذي عملت على تكريسه واقعًا الجمعيات المذهبية بعد عام 2011 أن يحقق ما خططوا له من تشتيت ممنهج للمجتمع عبر ضرب وحدته الوطنية، وأن يغيروا قناعات هذا الشعب في بناء شخصيته الوطنية غير التابعة؟ أم أن الطائفية غدت قدرنا المحتوم؟ اليقين أن ما شهدته البحرين قد زاد الشعب البحريني ثباتًا وتمسكًا بوحدته وبضرورة وقوفه خلف قيادته السياسية بقيادة الملك المفدى. 

 لقد سبق وأن بينا، في مقالات سابقة، أن هناك تصورا خاطئا لدى فئات من المجتمع البحريني يشير إلى أن الديمقراطية سبب رئيسي في بروز الطائفية، وأنها، أي الطائفية، هي التي أتاحت للمذهبيين الذين تسلقوا الديمقراطية للهيمنة وإقصاء الآخر المختلف. هذا الرأي، في اعتقادي، لا يتمتع بالوجاهة المطلوبة ليصمد أمام النتائج الباهرة التي حققتها المجتمعات المتقدمة، وعليه فإننا نستبعد هذا الرأي؛ لأنه، ببساطة، مخالف للوقائع الحية التي نشهد نجاحاتها على مستوى الفعل الإنساني في أكثر من مكان. ولعل أكثر تجليات ذلك نراه في مجتمعات الديمقراطية في غرب أوروبا وأمريكا. 

 ثمة رأي آخر يُطرح على ألسنة البعض ممن يضمرون الشك في كل ما تبذله وزارة التربية والتعليم في هذا الإطار، ومفاده أن الطائفية ما كانت لتظهر لو أن وزارة التربية والتعليم في البحرين قد اعتمدت مناهج متطورة حيّة واهتمت بشؤون المواطنة والوطنية وحقوق الإنسان وعززت هذه المناهج ببرامج وأنشطة تربوية صفية ولا صفية تُعنى بقيم كبرى لا يُكتب لمن يتجاوزها من المجتمعات النجاح مثل: التسامح، والحوار، والاعتدالية، ونبذ الكراهية، والعنف والمواطنة وغيرها من القيم. وهذا قول صحيح إلى حد ما. فهو صحيح إذا كانت وزارة التربية والتعليم هي وحدها المسؤولة عن هذا الفعل، فالمناهج وحدها لا تكفي لإحداث التغيير المرغوب في المجتمع إذا ما ظلت وحيدة ولم تحصل على دعم ومؤازرة من الأسرة البحرينية ومن جميع مؤسسات المجتمع المدني، كل فيما يخصه. 

 ما فتئت وزارة التربية والتعليم في مملكة البحرين تعمل جاهدة على إعداد أفضل المناهج في ضوء أحدث المعايير الدولية وأكثرها نجاعة في تخريج ناشئة تجسد تطلعات المجتمع، ولكن كيف ننتظر من وزارة التربية أن تُحدث التغيير الحاسم في ظل هذه التجاذبات السياسية التي يستثمرها رجال الدين الطائفيون في كل مذهب من المذاهب الدينية من خلال منابرهم الدينية ليبيحوا لأنفسهم نحت ملامح شخصية نفضوا عنها الغبار واستحضروها من مقابر التاريخ في محاولة منهم لإعادة رسم الخريطة الاجتماعية في بلدهم ليقاوموا بذلك عملية البناء الحداثية التي تتصدى لها الدولة المدنية البحرينية؟!!

 كل الجهود التي تبذلها وزارة التربية والتعليم في تحسين المناهج التربوية لتواكب المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل أن تستجيب لشروط المواطنة وحقوق الإنسان ستذهب سُدى، في ظل التراخي أمام استفحال هذا المد الطائفي المذهبي وفي ظل غض الطرف عن المناهج الموازية التي تغذي الناشئة بالحقد المذهبي الأعمى، ولا تقدم لها إلا أساطير الصفاء العرقي أو المذهبي، ولا تحفزها إلا إلى ما ينفي شركاء الوطن ويلغيهم، ولعل فيما تبثه القنوات الإيرانية في حربها الطائفية ضد دول مجلس التعاون، مثال ساطع على ما نقول. أنا في ضوء هذا الواقع أميل إلى وجهة النظر القائلة بأن التربية في مطلق معناها؛ أي التربية التي يضطلع بها المجتمع ككل، هي المسؤولة عن تفشي مفردات الطائفية وثقافتها المميتة.

 أي متتبع لما تنفذه وزارة التربية والتعليم من برامج لدعم المواطنة وحقوق الإنسان لا بد أن يكون منصفا، ولن يوفر ذريعة ليلقي باللائمة على كل الجمعيات السياسية التي تنحدر من خلفيات مذهبية أيا كان هذا المذهب، سنيا أو شيعيا، ويحملها مسؤولية تفشي سوءة الطائفية في المجتمع.  وأحسب أن أولى التحديات، ونحن نأمل في اجتياز النفق المظلم الذي دخلنا متاهته بدفع من قوى محلية باعت نفسها للشيطان الإيراني وغير الإيراني، أن نعيد ترتيب أولوياتنا الوطنية لنتباحث حلها على أسس ديمقراطية معضودة بتطبيق المواطنة واحترام حقوق الإنسان. كما ينبغي علينا الحرص على جودة مادتنا الإعلامية وصدقها والتدقيق في طرائق إرسالها وعرضها على المواطن؛ لأن في تضافر عمل وزارة التربية والتعليم والإعلام والأسرة يكمن نجاح المجتمع في تجاوز تشتته ليبني شخصيته الوطنية الجامعة القادرة على الدفاع عن نفسها في مواجهة طغيان الطائفية المذهبية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها