النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

عندما تحوّل تاج الفرعون إلى مرحاض عمومي

رابط مختصر
العدد 10242 الإثنين 24 ابريل 2017 الموافق 27 رجب 1438

استراح ما كان يرجح في البداية أنه تمثال الملك رمسيس الثاني ثم اتضح بعد ذلك أنه تمثال الملك بسماتيك الأول، من رقدته المؤلمة التي استمرت قرونًا في المياه الجوفية المختلطة بمياه الصرف الصحى، منذ تم تحطيمه في وقت لايزال البحث جاريًا لتحديده، وتم نقله من منطقة المطرية، شمال القاهرة، إلى المتحف المصرى القديم في ميدان التحرير، ليتم فحص وترميم الأجزاء التي تم العثور عليها منه، وهي تشمل تاج الملك وأجزاءً من جذعه، بينما لايزال البحث جاريا عن بقية التمثال التي تشمل الرأس والساقين.

يحدث ذلك في نفس الوقت الذي بدأت النيابة العامة التحقيق في الاتهامات التي وجهتها، عبر وسائل التواصل الاجتماعى على الشبكة العنكبوتية، بعض هواة، وعلماء آثار، وحشود لا تعد ولا تحصى ممن يتسلون عبر هذه الوسائل من دون أن يكون لديهم علم أو معرفة بالآثار، إلى البعثة الآثرية الألمانية - المصرية، التي اكتشفت التمثال، بعد حفريات استمرت عشر سنوات، وهي اتهامات خلاصتها أنها لم تتبع الأصول العلمية حين استخدمت بلدوزرا في استخراج التاج، مما أدى، في رأى هؤلاء، إلى اصابته بخدوش وربما كسور، وإلى بقائه في العراء ساعات طويلة، أتاحت للكلاب الضالة، والمعيز والطيور والأطفال الفرصة لكي تعبر عن فرحتها بهذا الاكتشاف الأثري الذي آثار اهتمام العالم كله، بالتقافز حوله وتحويله من أثر تاريخي الى دورة مياه عمومية!

وبصرف النظر عن الخلافات الكثيرة بين المتخصصين في الحفريات الأثرية حول مدى صواب أو خطأ قرار استخدام البلدوزر في استخراج التاج، الذي تؤكد البعثة أنه قرار علمي صحيح، وحدود الأضرار التي أصابت الأثر نتيجة لذلك، والتي لم يتأكد حتى الآن أن شيئًا منها قد وقع، فإن الضجة التي اثارتها مواقع التواصل الاجتماعي حول الأمر، قد اصابتني بنفس الحالة من الاحباط التي أصابت وزير الآثار المصري، الذي أبدى انزعاجه، لأن العالم كله قد استقبل نبأ اكتشاف التمثال باهتمام بالغ، توقع معه الوزير أن يسهم في القضاء على جانب من الركود الذي تعاني منه الحركة السياحية إلى مصر، منذ سنوات، بينما نشط بعض رواد هذه المواقع من المصريين والعر ب، لكي يحولوا الفرح إلى مأتم، والاكتشاف من انجاز إلى كارثة قومية، ومن التنافس في بث صورة الأثر، إلى التنافس في بث صور الكلاب والمعيز والطيور التي حولت تاج الملك الفرعون إلى دورة مياه عمومية.

وكما هي العادة العربية الشائعة بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي في مثل هذه الحالات، فإن أحدا ممن تلقوا هذه الأنباء، أو روجوا لهذه الأراء، لم يتوقف لكي يتأكد من صحة الخبر الذي وصله حول تحطيم التاج، أو كسر التمثال أثناء نقله، أو يمتلك الحد الأدنى من الحس النقدي، الذي يدفعه لكي يسأل نفسه أولاً عن مدى أهلية صاحب الرأي الذي جزم بأن هناك أخطاء علمية خطيرة حدثت في عملية النقل، للافتاء في شؤون الأثار، خاصة وأن كثيرين ممن ينشرون اخبارًا وتعليقات وأراء على صفحات التواصل الاجتماعي، يوقعون رسائلهم بأسماء تنكرية. كما ان أحدا منهم لم يمتلك - على الأقل - الحد الأدنى من الحذر الذي يقوده، لكي يطالب - عبر هذه الوسائل ذاتها - المسؤولين والمتخصصن بتأكيد او نفي الخبر.

وبدلاً من ذلك كله فإن معظم المنتمين إلى منتديات التواصل الاجتماعي العربية، ما يكادون يقرأون خبرًا أو رأيًا، حتى يستهويهم، فيندفعون إلى بثه إلى غيرهم، ويضيفون إليه تفاصيل لم تحدث، ومبالغات مما تعودنا نحن العرب أن نضيفه إلى ما نتناقله من أحاديث شفهية، فيسبغون عليه مصداقية يفتقدها، ويشجعون الآخرين على تصديقه وترويجه، بعد ان تحول من شائعة كاذبة إلى خبر يتواتر الجميع ترديده.

وهكذا تحول قسم كبير من وسائل التواصل الاجتماعي العربية، من وسيلة لتبادل الأراء والأفكار والمعارف، التي تثير قضايا جادة أو تسهم في خدمة المصالح العامة، إلى وسائل لتبادل الشائعات والأكاذيب، وتصفية الحسابات السياسية والشخصية، فضلا عن جرائم النصب والسرقة و الاحتيال والتحريض على الإرهاب،

وربما لهذا السبب، لم أدهش حين اتنهزت المليشيات الالكترونية الناطقة باسم الجماعات الدينية التي تمارس الإرهاب باسم الدين، الفرصة، واستغلت مواقع التواصل الاجتماعي لكي تتباكى على ما زعمت أنها المعاملة السيئة التي لقيها تمثال الملك بسماتيك الأول، وفي ظنها انها تسهم بذلك في تنشيط الركود التي تواجهها السياحة في مصر، مما يفاقم من الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المصريون.. إلى أن تنبهت إلى أن تمثال رمسيس الثاني أو بسماتيك الأول هو من الأصنام التي تدعو إلى تحطيمها باعتبارها من أوثان عصر الجاهلية، وأنها حين تتهم النظام الحاكم في مصر بأنه يقوم بهذا التحطيم، تمنحه شرفًا لا يستحقه أحد سواها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لتدمير الآثار وتحطيم الأصنام، فانسحبت من الحملة، وتركت الآخرين يواصلونها نيابة عنها!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها