النسخة الورقية
العدد 11028 الأربعاء 19 يونيو 2019 الموافق 16 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

في الحوار مع «المعارضة»...

رابط مختصر
العدد 10237  الأربعاء 19 ابريل 2017 الموافق 22 رجب 1438

 بداية علي أن أبين أنني ممن لا يشكون أبدا ولا تأخذهم الظنون في أي حال من الأحوال بأن وجود معارضة رصينة ورشيدة لأي نظام سياسي لا يمكن أن يكون بالتأكيد إضعافا له، بل إن قوى المعارضة عون لذاك النظام وسند له، ولنا في الدول الديمقراطية في الغرب والشرق أسوة ومثال جيد يمكننا الركون إليه والاستشهاد به، ولكني في مقابل ذلك شخصيا أبدي معارضة شديدة لمن يأتي إلي قائلا بأن الأحداث التي عصفت بالمجتمع والدولة البحرينية كانت من فعل معارضة راشدة ورشيدة. وبالتالي فإني لا أخفي شكي في وجود مثل هذه المعارضة، وإن كنت لا أشك أبدا في وجود من تسكنهم نوايا طيبة وتطلعات على قدر عال من المسؤولية الوطنية في تحسين أداء السلطات الدستورية كافة وتطويرها على أساس من الانتماء الصادق إلى الوطن والولاء لقيادته وتراثه النضالي.

 مؤذية زاوية النظر التي من خلالها مازال البعض يصر على أن ما شهدته الساحة البحرينية منذ أكثر من ست سنوات كان عملا سلميا لجمعيات سياسية معارضة، وإني إذ أختلف مع هذا الطرح جملة وتفصيلا، لا أتوانى عن أن أنزع صفة المعارضة عن هذه الجمعيات بناء على ما شهدناه من أعمال عنف وقتل، ومساع حثيثة صريحة إلى إسقاط النظام وهدم مقومات الدولة، وإقامة «جمهورية» مشيمع الإسلامية، التي صرح بإقامتها على الملأ من على منصة العار في الدوار. لم تكن، من وجهة نظري، تلك الجمعيات من صنف المعارضة بقدر ما كانت عصابات اصطفت في جمعيات انقلابية قادها عداؤها المتراكم عبر عقود من الضخ الإعلامي المذهبي العدائي المطلق للدولة وللمجتمع إلى البحث عن فرصة لفرض خيارها السلطوي الديني. وقد كان الخذلان حليفهم.

 الحقيقة، يصلني من بعض القراء الكرام بين الحين والآخر آراء تعبر عن سأم مما يكتب بخصوص الأحداث التي عصفت بالبحرين قبل أكثر من ست سنوات، معتبرين أنها قد ولت من غير رجعة ودروسها ستبقى حاضرة في الوجدان والذاكرة، إلا أني لهم أعتذر هنا، وأبين أن مناسبة العودة إلى الحديث عما يسمى بالجمعيات «المعارضة» تحديدا، وعن أحداث 2011 عرضا حيث الشيء بالشيء يذكر، هي قراءتي مقال «الحوار مع المعارضة بطريقة نادرة»! للكاتب هاني الفردان. 

 ما كنت لأكتب هذا المقال لولا خشيتي من أن يكون العنوان سببا في إيهام القارئ بأن كلمة«المعارضة» التي تضمنها عنوان المقال تعبر عن واقع حقيقي، أي أن مفهوم المعارضة ينطبق فعلا على الجمعيات المذهبية التي جند الكاتب نفسه للدفاع عنها وفرضها عنوانا لطبقة سياسية يفترض فيها أن تقوم بدور المعارضة في ظل دولة القانون والمؤسسات، غير أنها فوتت على أنفسها فرصة الظفر بهذا الاستحقاق السياسي لتنحو منحى العنف المنظم والعمل على تخريب مؤسسات الدولة وشل حركتها في حركة انقلابية لا أظن بحرينيا واحدا ينسى تفاصيلها، فهذه الجمعيات، وعلى رأسها جمعية«الوفاق»، لم تأخذ من صفة المعارضة إلا اسمها وأخذت في مقابل ذلك من المؤامرة «دسمها» لكي تنقض على السلطة، تحقيقا لأجندة إيرانية مذهبية طائفية.

 لا يعنيني كثيرا هنا المقال في لغته التي بدت تهكمية ومستخفة بتصريح وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد الخليفة، وهو من نعرف بأن كثيرا من نجاحات الدبلوماسية البحرينية يعود إلى فطنته وذكائه، ولهذا ندع نجاحاته تتحدث عنه. ما أثارني في المقال حقيقة فوخز قلمي وهيجني للكتابة فضلا عن الدفاع عما أقدر أنه اختيار وطني هو الحرص على تنقية مصطلح معارضة مما علق به من الأدران، فمن مسارات تحقيق رؤيتنا المشتركة في بناء مثال ديمقراطي فريد الإسهام في بناء معارضة وطنية تختلف اختلافا جذريا في ملامحها وأدوارها ومكوناتها عن المثال الجمعياتي الطائفي والمتطرف الذي دافع عنه الكاتب المذكور خاصة حين توج«جمعية الوفاق»المنحلة بسلطة القانون أكبر جمعية«معارضة»في البحرين، وجعل رفع الدعوى القضائية إزاء«وعد» مثالا على غياب أفق ديمقراطي في البحرين.

 لا أعتقد أن هناك من يقف ضد الحوار أسلوبا، أو معارضة إشاعته ثقافة محمودة في المجتمعات، ولكن أن يتم الحوار مع من تآمر على الدولة وخطط في الخفاء لاسقاط النظام، ووضع أمن الوطن والمواطن على كف عفريت، فإن ذلك عين الغباء والبلاهة. صحيح أن ضغط الأحداث المحلية وضغط الإعلام المناوئ للبحرين قد جعلنا نركن إلى الحديث عن حوار مع تلك الجمعيات، حتى وإن كانت مراميها معروفة، ولكن اليوم وبعد أن باتت الأمور مكشوفة، وتفننت«الجمعيات المعارضة»في وضع الشروط التعجيزية لغلق أبواب الحوار عمدا، وأدى القضاء دوره في إنفاذ القانون في كل من ثبت بالحجة والبرهان تآمره على أمن الوطن بإدانة المسؤولين عن الأحداث عبر أحكام قضائية مستقلة، وتوارى بعضهم الآخر بعيدا في غياهب عتمة المذهبية والخيانة يقودون مجموعات إرهابية مسلحة، فإن التعامل مع مثل هذه«المعارضة» ينبغي أن يكون تعاملا مغايرا يكون فيه الحوار حلا ممكنا ولكنه من أبعد الحلول عن مقتضيات المنطق السليم، إذ لا يمكن للإرهابي والانقلابي أن يكونا طرفا في حوار مع حكومة تمثل إرادة شعبية وإرثا مواطنيا عريقا.

 أختم بأمنية لكنها ليست كالأمنية التي شاغلت الكاتب هاني الفردان، وإنما هي تتلخص في ألا يطرح أي حوار مع أي جهة كانت تستهدف البحرين حكما ومجتمعا. وإنني إذ أؤكد على قناعتي بأهمية الحوار كثقافة، وأداة ضمن أدوات أخرى تخرجنا مما أوقعتنا فيه«المعارضة»! من احتراب، فإنه ينبغي علينا البحث عمن لم تتلطخ يداه بتمويلات قادمة من الشرق، ولم تتشوه سمعته بالخيانة والتآمر. إنهم موجودون لا محالة في المجتمع، والدفع بأن تكون الأحداث وآثارها جزءا من الماضي مسؤولية مشتركة على كل صاحب ضمير حي أن يعمل في سبيلها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها