النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

تمرّد عاجز وردّ فعل يائس..

من الإبادة الحضارية إلى المحو والازدراء

رابط مختصر
العدد 10235 الإثنين 17 ابريل 2017 الموافق 20 رجب 1438

في التحليل ذي الطابع الآلي لظاهرة العنف يتم إرجاع أسبابه إلى «توحش بدائي» أو الى «نزعات دينية أو قومية متطرفة»، أو الى «فشل تنموي وسياسي» أو إلى «عدم القدرة على حل الإشكاليات المتراكمة الاجتماعية والطبقية والاقتصادية»، ولكن ظاهرة العنف والارهاب في العالم لا يمكن تفسيرها دائما وفقا للائحة الأسباب المشار اليها فحسب، أي انطلاقا من هذه الأطروحة التبسيطية الميكانيكية. فالوقائع تقيد إطلاقها الفكري وعموميتها، وذلك لأن العديد من الدول المتقدمة سياسيًا، والمزدهرة اقتصاديا، تشهد هي الأخرى دورات من العنف والإرهاب، بل بدورها يمكن أن تمارس مثل هذا العنف والإرهاب الذي يبلغ في بعض الأحيان حد المحو والإبادة. ويمكننا في هذا السياق اقتراح تصنيف العنف، وفقا لنوعه والإشكالات الحافة بممارسته:

- النوع الأول: يمكن ان نطلق عليه مصطلح «العنف البنيوي»، وفقًا لتعريف يوهان غالتونغ (1960) والذي يشير إلى شكل من أشكال العنف الممنهج الذي يقوم به تنظيم ما أو مؤسسّة اجتماعيّة معيّنة، بالتسبب بالضرر للناس، من خلال منعهم من تلبية احتياجاتهم الأساسية، ويشمل ذلك التفرقة الإثنيّة والدينية والطبقية، والعنصرية، والتعدي على الشعوب، وما ارتضته من أنماط عيش. كما يمكن ان يندرج الفقر والاستغلال والتفاوت الطبقي الفادح، ضمن معظم اسباب العنف البنيوي وانتشاره، هذا العنف الذي أصبحت له مؤسسات، ورعاة وفكر يقوده، وتمويل يمده بالإمكانيات اللازمة للعمل عبر الحدود، كما له فقهاء وفلاسفة وإعلاميون يمدونه بالتبرير والتأويل. 

- النوع الثاني من العنف، غالبا ما يمر من دون نقاش جدي، وهو المتعلق بالحروب - أقدم صناعة مبرمجة ومنظمة رسميا في التاريخ - والتي يعمل مفتعلوها أو مشنوها على شرعنتها بأشكال مختلفة: حرب هجومية دفاعية، حرب تطهيرية، حرب استباقية.... 

فكلمة «حرب» لا تثير الالتباس أو حتى الاستنكار الأخلاقي، الذي يلقاه الكلام عن «حملة صليبية» مثل التي أعلن عنها الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، عندما أعلن عن الدعوة إلى «حرب ضد الإرهاب» وهي الدعوة التي أعادت إلى الأذهان فزعة البابا إبان الحملات الصليبية على الشرق القديم، كذلك الأمر بالنسبة إلى أغلب الحروب التي شنها الأقوياء، فهي دائما مبررة، اقتصاديا او سياسيا او أمنيا او حتى قوميا. فتلك الحروب ترفع على صعيد القيمة هؤلاء الذين نفذوا اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001م إلى مرتبة «المحاربين الأعداء»، على حد التوصيف القانوني الرسمي الصادر عن المحاكم الاستثنائية التي أنشئت لمحاكمة محتجزي غوانتنامو مثلا.

- الوجه الثالث، ويمكن ان نصفه قانونيا بالعنف «المشروع» المرتبط بالوجه الأكثر إيلاما في حياة الشعوب وهو الاحتلال، ومحاولة الاقتلاع من الأرض، ومحو الوجود، فالاستعمار لن يصفى إلا بالنضال السياسي والمقاومة بكافة اشكالها، ومثال ذلك في التاريخ المعاصر، الحالة الفلسطينية، فالعنف ها هنا يجد تبريره في سياق ما يعرف في القانون الدولي بحق مقاومة الاحتلال، وهو حق مشروع كفلته الشرعة الدولية. وفي هذا السياق نقرأ في مقابلة صحفية مطولة مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، حول معنى «العنف والإرهاب في الحالة الفلسطينية» في ظل الاحتلال الإسرائيلي المزمن للأراضي الفلسطينية، يقول فيها: إن عنف الفلسطينيين هنا -في مواجهة عنف الاحتلال الماكر- لايزال عنفا من الطراز التقليدي القديم، يرفع شعار: حياة مقابل حياة، ولذلك فهو تعبير عن اليأس وفقد الأمل«. والحقيقة أن ما قاله يورغن ليس ببعيد عن الحقيقة، ففي ظل الالتفاف حول الحقوق المهدورة منذ أكثر من ستة عقود دون القدرة على اختراق المنظومة الإسرائيلية المغلقة، ومن دون القدرة على الوصول إلى حل الوسط التاريخي الذي كان الراحل عرفات يسميه (سلام الشجعان)، أي حل (دولتين كاملتي السيادة لشعبين مستقلين بكرامة كاملة)، وذلك بسبب عدم قدرة الطبقة السياسية الإسرائيلية، والمجتمع الإسرائيلي نفسه، على حسم موضوع السلام والعيش المشترك، مما أدى إلى خلق حالة من اليأس وعدم الثقة واستمرار الإحباط، والإحباط يولد العنف، ولو بمنطق»علي وعلى أعدائي«، والذي رأينا نماذج له في الواقع. 

- الوجه الرابع: يمكن أن نطلق عليه العنف العشوائي اليائس (الإرهاب الأعمى الموجه ضد الداخل والخارج على حد سواء) ويستهدف كل شيء ولا يميز في عدوانيته وعشوائيته ويأسه وجنونه بين أي شيء وآخر، مثل الإرهاب المتطرف الاعمى المنتسب زورا إلى الإسلام، والموجه ضد الكنائس والمساجد. ويمكن أن نستحضر في هذا السياق الاعتداءات الإرهابية السوداء على المدن الغربية والعربية والإسلامية، كان آخرها الاعتداء الإرهابي الأسود على الكنائس القبطية في مصر العربية، فهي من العنف العشوائي اليائس، الذي يحمل في طياته السمات الأساسية لتمرد عاجز، أو لرد فعل يائس، موجه ضد الكل أو ضد خصم قوي يصعب أن يُهزم - إذا ما نظرنا إليه من ناحية ميزان القوى- ولكنه يستهدف في النتيجة النهائية إثارة مشاعر الصدمة والقلق والفزع والفوضى لدى المواطنين والحكومات.

وإذن، فإن العنف يبدو واقعا مكرسا، وله اشكال وصورة متعددة، وحتى «العنف» الذي يرتبط بالنضال ضد الاستعمار، فإنه، وبالرغم من كونه يندرج ضمن أطر تختلف عن العنف الاخر، فإنه يظل مع ذلك عنفا، بالرغم من انه يكتسب شرعيته من أوضاع الظلم والاحتلال. ولذلك فإن طرح موضوع العنف من خلال الاكتفاء بالحديث عن «إرهاب إسلامي»، ضد «العالم المتحضر» فيه نوع من التبسيط والاختزال وتغطية للحقائق، بما لا يساعد على محاصرة الإرهاب وتجفيف منابعه.

ومع ذلك، فمن الوجهة الأخلاقية لا يمكن القبول بتبرير العمل الإرهابي، مهما كانت دوافعه، ومهما كانت ظروف القيام به. فلا شيء يبرر قتل الأبرياء، حتى لو كانت القضية عادلة، ولا يمكن القبول بأي حال من الأحوال تحقيق أي هدف سياسي على حساب موت الآخرين وعذاباتهم.

همس

يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: «إني أجلس في مكتبي الآن بفضل قيام جماعة من المتطرفين بالسفر إلى العالم الجديد، واقتلاع وتشريد السكان الأصليين، ومحو الحضارات الأصلية (...)، وهذا يقودني إلى الوقل إن الحضارة التي قامت على منطق المحو والإبادة قد صنعت الإرهاب».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها