النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

مصر.. ادخلوها بسلام آمنين

رابط مختصر
العدد 10233 السبت 15 ابريل 2017 الموافق 18 رجب 1438

لن نكرر ما يقال إن مصر تواجه موجة صعبة من التطرف والعنف والإرهاب؛ لأنه من الواضح أن الحملة لم ولن تنته خلال فترة محدودة، فما تتعرض له مصر في الوقت الراهن منذ انقشاع جماعة الإخوان عن المشهد قبل أربع سنوات، أمر مؤلم للغاية خاصة وأن العمليات الإرهابية أصبحت متقاربة ولا يفصل بين عملية وأخرى سوى فترات قليلة. واعتقد أن مصر لم تشهد لها مثيلاً على مدى التاريخ الحديث.. والأكثر إيلامًا للنفس ما أسفرت عنه العمليات الإرهابية الأخيرة التي راح ضحاياها أكثر من 50 شخصًا على الأقل من الضحايا الأبرياء، من المسلمين والمسيحيين. ليس هذا فقط، لأننا نشهد أيضا في مصرنا الحبيبة سقوط ضباط وجنود بصورة شبه يومية في شبه جزيرة سيناء وبعض الكمائن الشرطية، كل هذا برصاص غادر لم يعد يفرق بين مدني وعسكري، وإن كانت الروح أيا كانت غالية، ولا يجب علينا هنا التفريق بين مدني وشرطي وعسكري، لأن الجميع مواطنون أبرياء ويخدمون نفس الوطن، وليس من حق الإرهابيين الغائبين عن الوعي والضمير والدين أن يغتالوهم ويحرموا الوطن منهم. ما أعنيه بالوطن يشمل الأسرة، الأب والأم والزوجة والأولاد والأقارب وحتى الجيران، ناهيك عن الوطن نفسه بمعناه الأشمل، لأن الجندي والضابط يخدم هذا الوطن ويضحي بروحه ويفتدي نفسه لهذا الوطن ولكن في معارك حقيقية، وليست في الظلام حيث تغتالهم قوى الشر والتطرف خلسة.

ربما كانتا آخر حادثتين في مصر هما من نصيب كنيستين أثناء أداء المسيحيين ترانيم صلاة «أحد السعف» وهو عيد مصري قبطي قديم يبدأ بأسبوع الألام ثم ينتهي بأعياد القيامة أو الفصح. ولكن دماء الشهداء والضحايا امتزجت ما بين المسلمين والمسيحيين، ولم يفرق الإرهابيون بين طفل وفتاة ومسنة وشيخ، بين جندي وضابط ومدني، فالكل تعرض للاغتيال والقتل. وكان الترويع من نصيب الجميع، فلم يكد صباح الأحد الماضي يمر إلا وكان المصريون عن بكرة أبيهم في حالة حزن وحداد عام، وقد رأيت بنفسي أحزانهم، ودموعهم التي لم تنقطع حزنا على ضحاياهم الذين ذهبوا لكنائسهم لأداء شعائرهم، والذين ذهبوا لتأمين تلك الكنائس، ولم يكتب لهم العودة الى أسرهم، وكانت الشهادة من نصيبهم.

لقد أصبحت أكره فكرة الغرب ربط الإرهاب بالإٍسلام، فهؤلاء الإرهابيون لا ينتمون لدين ولا وطن، فلا أخلاق لهم ولا ضمير، وهم عديمو الإحساس، فما معنى أن يذهب شخص انتحاري حامل في وسطه حزاما ناسفا الى أي تجمع به مواطنون أبرياء ثم يفجر نفسه فيهم، فهل هذا ينتمي لدين؟ بالقطع لا، حتى وإن كان هدف هؤلاء الإرهابيين هو إحداث الفرقة بين المصريين، فهم فشلوا أمس وسيفشلون اليوم وغدا. ورغم أن هؤلاء الإرهابيين مصريون، أو هم هكذا حتى تثبت التحريات أصولهم، فكل من يتخيل في نفسه القدرة على تمزيق الوحدة المصرية، فهو واهم. فالمصريون على مر تاريخهم لم تستطع أي قوى استعمارية أو حتى شخص أن يفرق بينهم، ولعل أشد ما يميزهم هذا النسيج الاجتماعي الطيب الذي لا يفرق بين مسلم ومسيحي، فكلهم مواطنون في وطن كبير يحتويهم جميعا اسمه الجامع، وطن اسمه «مصر».. فمصر بوابة العرب والمسلمين، وستظل هكذا الى يوم الدين، حتى وإن سعي الإرهاب الغاشم للعبث بها وبمواطنيها، فهو سيفشل كما فشل أمس.. وسيفشل في تدمير الاقتصاد والسياحة والاستثمار، وسيكون مصيره الفشل في تمزيق النسيج القوي بين جميع أفراد الشعب المصري، هذا النسيج الذي حمى مصر الحرة الأبية التي تتصدى للإرهاب بكل قوة، وسيظل يحميها الى يوم الدين.

وفي مثل هذه الأحداث المؤلمة، ليس علينا بمن يطالب بالحلول السياسية للإرهاب، فالحل الأمني يكاد وحده الذي يطفو على السطح لاجتثاث الإرهاب وقطع دابره، في دولة تئن تحت ظروف اقتصادية صعبة بسبب هذا الإرهاب، الذي نال من قطاع السياحة، أهم مورد للعوائد الأجنبية في مصر. ثم أن الحياة السياسية في مصر لم تتوقف، بل تسير بنفس وتيرتها، البرلمان يعمل كالمعتاد، الأحزاب تمارس دورها بلا تغيير، وبالتالي، على القوات المسلحة والشرطة القيام بمهمتهما الأولى وهي محاربة الإرهاب والإرهابيين الذين يتلقون تمويلات ضخمة من الخارج، وتحريضا من شيوخ الفتن، الذين يغذون صناعة التطرف الديني الذي يغذي العنف والإرهاب.

أما إذا كان ولا بد من تدخل طرف اخر في عملية مواجهة الإرهابيين، فهذا الدور يضطلع به رجال الدين، بتبصير الشباب بصحيح الدين والتخلي عن التطرف الديني الذي يدفع الى تبني العنف وتكفير المجتمع، وبما يصعب على دعاة الفتن والتحريض اصطياد صغار السن والشباب وتلقينهم أفكارًا متطرفة لا ترتبط بصحيح الدين، والدين منها براء مثل تكفير المجتمع وتبرير العنف.

ولهذا أسعدني بحق أنه رغم حوادث الإرهاب المتكررة في مصر، إلا أنني وجدت إصرارًا من المصريين على تطبيق قانون الطوارئ الذي أعلنه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أعقاب حادثي الكنيستين، ولم يأت فرض حالة الطوارئ في مجرد بيان عابر من الحكومة أو الرئاسة المصرية، وإنما تحلى الرئيس السيسي بالشجاعة والقوة في إعلانه خلال خطابه للشعب، هذا الخطاب الذي تميز في رأيي بالقوة وحمل إصرارًا من رأس الدول المصرية على اجتثاث الارهاب. فرغم أن المصريين يكرهون فعلاً «حالة الطوارئ» التي أعلنها الرئيس الأسبق حسني مبارك منذ قدومه للسلطة في أعقاب مقتل الرئيس أنور السادات عام 1981، إلا أنه في يوم مثل الأحد الماضي، أكد المصريون أنهم على قلب رجل واحد، ويتفهمون حيثيات القرار الصعب، فهو خطوة لا بد منها في تلك الظروف الصعبة التي تستهدف أمن الأوطان. ولهذا، نتمنى للشعب المصري أن يتحقق له الأمن والأمان والسلام والاستقرار في ظل إعلان السيسي تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب، كخطوة جادة للتصدي للتطرف والإرهاب، وبما يحقق نتائج جيدة بخطوات سريعة. واعتقد أنه على بقية الدول التي تعاني من مصائب الإرهاب الأسود، أن تتخذ نفس الخطوات المصرية، وأقصد هنا تشكيل مجالس مماثلة ومنحها كافة الصلاحيات، من أجل ممارسة عملها للقضاء على الارهاب الغاشم. ولعلي أكشف في مقامنا هذا، عن رغبتي الجادة في أن تتبنى جامعة الدول العربية، مجلسا أعلى لمكافحة الارهاب، على أن تكون اختصاصاته التفكير سويا على مستوى قوى الأمن في الوطن العربي المشاركة في وضع الخطط والاستراتيجيات المختلفة لمواجهة قوى الشر والإرهاب في كل بلد عربي، وما أكثر هؤلاء في بلداننا. وكمثال، نحن في البحرين ورغم حربنا الشرسة ضدهم إلا أننا مازلنا نعاني من إرهابهم المدعوم من الخارج.

نحن ندرك جميعا أن مصر تخوض حربًا ضروسًا ضد الإرهاب الذي يشوه الإسلام، من أجل حماية الدولة من الانهيار كما شهدنا في دول اخرى لا داعي لذكرها لأننا نعرفها جميعا. وبالتالي، فإن من حق أي دولة أن تتبنى كل ما يلزم من إجراءات تضمن سلامة الشعب وتحفظ وحدته ونسيجه ووحدة الوطن.

وختامًا، نقول إنه على كافة الدول العربية، أن تتكاتف وتقف خلف مصر، فمصر القوية، هي قوة إضافية للعرب، وأمان لهم من مخالب قوى الشر التي تتربص بهم جميعًا. أما شعب مصر فهو حقا لا يحتاج لتوصية، فلا توصي حريصا، ولكن من موقعي كراصد للحالة السياسية في مصر، فلا يسعني سوى القول، إنه يتوجب على المصريين بكافة مشاربهم وأطيافهم، اليقظة والتكاتف والالتفاف أكثر من أي وقت مضى حتى يفوتوا على الإرهابيين، فرصة جر مصر الى منزلق لا يعلم أمره الا الله. فالإرهاب الأسود، بات بين ظهرانينا وعلينا جميعا العمل على اجتثاثه.

ورغم ما سبق، أقول إني لا أخاف على شعب مصر، فهو في حالة تلاحم وتناغم طوال تاريخه، وهو ما يلمسه الغريب قبل القريب، فنحن نعلم أن نسيج هذا الشعب واحد، ولا أبالغ إذا قلت إن هذا ما تعلمناه على مدى أعمارنا ومنذ نعومة أظافرنا، عندما كنا نشاهد في الأفلام المصرية شعار «الهلال مع الصليب»، تلك الأفلام التي خلدت التاريخ المصري، وعرفنا أيضا، أن المساجد دور عبادة ويجب حماية قاصديها، وكذلك الكنائس، لأن استهدافها يعني ضرب هذه الوحدة الفريدة ربما في العالم العربي على الخصوص.. وفي النهاية نقول للإخوة المسيحيين: «قلوبنا معكم ونتألم لمصابنا معا.. حسبي الله ونعم الوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد أراد الإرهابيون كسر الشعب المصري والنيل من نسيجه الواحد، ولكن الإرهاب سينكسر أمام وطنية هذا الشعب الصلب، إن لم يكن اليوم، فإن غدًا لناظره قريب، وادخلوها بسلام آمنين».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها