النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

إنذار مبكر لخطر داهم..

تآكل قيم التسامح والتعايش الإنساني

رابط مختصر
العدد 10230 الأربعاء 12 ابريل 2017 الموافق 15 رجب 1438

أرسل إلي أحد الأصدقاء قبل فترة تعليقا على حادثة وضع صبيين لقطة في قفص وإضرام النار فيها، لأنها افترست عددا من الطيور لأحدهما قائلا:«لا تستهن بهذا الحدث المعزول، لأني أراه إنذارا مبكرا لخطر اجتماعي داهم».

والحقيقة أنني لم أعر هذه الملاحظة أهمية كبيرة في حينها، لأني اعتبرت الحادثة معزولة، ولا تتجاوز عبث الأطفال الطارئ، إلا انه عند متابعة الأحداث اللاحقة، وخاصة ما تورط فيه عدد من الشباب من أعمال إجرامية وإرهابية قاتلة، جعلت من المنطقي، بل من الطبيعي اعتبار ذلك الحادث الذي أشار إليه الصديق إنذار مبكرا.

 فما نراه في أكثر من مكان هو إعادة انتاج (الموديل) أو (الموديلات) المتعددة للتوحش والعنف والإرهاب، بدءا من الإرهاب الفكري والديني والطائفي، ومرورا بموديل داعش الإرهابي والحشد الشعبي، ووصولا إلى موديل أبو غريب وغوانتنامو والتوماهوك والقنابل الذرية التي تضرب الأبرياء في كل مكان.

إن دفن الرأس في التراب والتوقف عن رؤية الحقائق كاملة، هي ما يجعل تحليلاتنا جزئية مهزوزة وحتى مزيفة، فالتطرف يغزو اليوم مناطق واسعة في العالم، بما في ذلك العالم المتمدن، وإذا كان ظهور فئة جديدة من هذا التطرف تتسم بخاصية غير مسبوقة في التاريخ، والمتسمة بالتوحش، فإنه لا يجب ان يخفي عنا حقائق أخرى مفجعة:

- أن هذا الإرهاب الجديد يستند على قاعدة فكرية أيديولوجية تؤسس للعنف والتطرف بكافة اشكاله، فإذا كانت«القاعدة»تركز جل جهدها ضد من تسميهم«الكفار»وهجماتها ضد ما تسمية«دار الكفر»، فإن الفصيل الجديد من الإرهاب المتوحش، يكفر الجميع ويضرب في كل اتجاه، بالتقتيل والتنكيل، باعتبارها بروفات تمهيدية للخلافة الكبرى، والبدء فورا في تنفيذ احكام الشريعة، وفقا لقراءة مخصوصة للنص الديني. والذين يعبرون اليوم عن دهشتهم من هذا الايغال في التطرف والظلامية، يعمدون على صعيد الخطاب بفصل التوحش من جذوره الأيديولوجية، ويقفزون به الى النتائج فلحظة التوحش لا ترتبط عندنا بنوعية التعصب الديني المولد للقتل فحسب، وانما أيضا بلحظة تفكك الدولة في بعض البلدان، وسقوطها او ترهلها، فيصبح التوحش بديلا عنها، وتلك مفارقة نكاد نختص بها على الصعيد العالمي.

- صحيح ان خطاب التطرف الديني عندنا لا يطرح في العادة سوى الأسئلة البعيدة عن حقيقة أزمة المجتمع، فيتحدث عن الهوية والتغريب والإيمان   والكفر والخلافة والأمة وقطع اليد والرقاب، بدلا من الاستجابة لتحدي واقع معقد تتقاذفه مصادر تأثير مختلفة متباينة، تتصدرها أسئلة التنمية والتحرر وهموم الناس ومصاعب التنمية وتفشي البطالة والأزمات المالية والاقتصادية المتكررة، وعدم الاستقرار الاقتصادي وصعوبة توفير لقمة العيش للملايين من الناس. وصحيح أيضا ان أسئلة الهوية المرتبطة مباشرة بالانشغال الديني لا يمكن ان تلح علينا كأفراد او كمجتمع مسلم، بل ان هذه الاسئلة ما فتئت تتوسع وتتجذر في مواجهة تحديات الحداثة والتقدم والمواطنية العالمية، وليس بموازاة الكفر والايمان مثلما يحاول الضالعون في طرح الاسئلة المزيفة، خاصة في ظل خفوت الوعي الفكري الحي وسيطرة نوع من«الفكر»ضيق الأفق والذي يجر الناس إلى التقاتل بترسيم حدود وأسوار بين المواطنين على أساس ديني وطائفي.. نتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الاحباط بين الجماهير.

- واذا كنا ندرك هذه الحقيقة فان ما يتم تغييبه-تضليلا-هو التوحش الاخر الذي يدفع نحو أعماق الهمجية، كلحظة القاء القنبلة على هيروشيما ونكازاكي، لحظة بوغريب ومخبأ العامرية في العراق الذي طحن فيه المئات من الأطفال تحت الصواريخ العشوائية، ولحظة غوانتنامو وأبو غريب – كرموز لنوع آخر من التوحش«المتحضر». وهو توحش يستند هو الاخر إلى قاعدة فكرية وايديولوجية، وتكفي مطالعة آراء وأفكار الأصولية المسيحية وأفكار اليمين الإسرائيلي واليمين في الغرب لندرك ذلك دون عناء، فلا أحد اليوم يمكن أن يقبل الرواية الأخرى عن الوحشية التي مورست في العراق وفي أفغانستان ومن قبلها في فيتنام والجزائر وفلسطين، ولا أحد يمكن أن يتفهم حجم الوحشية التي مارسها الجنود المتحضرون ضد أعدائهم، والمعاملة غير الإنسانية للسجناء في غوانتانامو وفتح النار على الحشود منزوعة السلاح، ليست فقط ترجمة لمنطق القوة، بل ترجع جذورها إلى مفهوم للحياة والمجتمع هو بمثابة نفي لمفهوم الانسان والإنسانية والقيم والتعايش.

- إن إعادة انتاج مثل تلك الصور مجتمعة (صورنا وصورهم) يمكنه ان يفهم (دون تفهم) أفعال وتعديات إجرامية وإرهابية بات يرتكبها قسم من شبابنا الضائع في فوضى الأيديولوجيا وصناعة الحقد والاوهام والصورة العنيفة المدمرة المبيحة للقتل والإرهاب، كما يمكننا ان نفهم (من دون تفهم) بعض ما شهدته المنطقة العربية من اهوال وكوارث، وما ساد في الفضاء الإعلامي من صور القتل والتوحش والتدمير والذبح وحرق الناس احياء، بات يلقي بظلاله على المجتمع ككل، وبوجه خاص على اذهان الأطفال والشباب.

إن هنالك العديد من المؤشرات المخيفة التي تنبؤ بخطر اجتماعي داهم مثلما قال الصديق في ملاحظته، ولكنها مجرد مؤشرات أولية على التأثير الكاسح لأوضاع قاهرة مخيفة، الجزء الأخطر منها هو أيديولوجيا التوحش التي تسربت أو بدأت تتسرب إلى أعماق المجتمع ونسيجه الغض بوجه خاص، مما يجعل هؤلاء الشباب اقرب الى الضحايا – كما يوق الصديق لتأثير بدأ يتفاقم عندنا بعد أحداث 2011م، ويعيشه المراهقون، ويدفعون دفعا للمشاركة فيها، من دون وعي أو اختيار، بالنظر الى عدم اكتمال وعيهم وحتى أهليتهم العقلية والفكرية.

وعليه فليس أمامنا سوى العمل على تجديد شروط شراكتهم الفكرية والاجتماعية والتنموية في مشروع حضاري إنساني سواء على المستويات العلمية والتربوية والسياسية والحقوقية والثقافية نحو السمو والتسامح والتعايش والرفع من قيمة ومكانة الانسان. وذلك لأن هذا التجديد يمكن أن يؤسس لتعايشنا وهو الشرط الرئيسي للسلام في بعده الأعمق، وضمن شرطه الإنساني، فالتوحش والحروب تنشأ أول ما تنشأ في العقول، والسلام لا ينشأ إلا إذا نشأ في العقول والوجدان.

همس

«كل شعب ينقسم إلى شعبين يصبح في قبضتنا وتسهل هزيمته»- يودور هرتزل مؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها