النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

حول إخفاقنا الديمقراطي - 2

الرقص على الدرجة السابعة من سلم الديمقراطية!!

رابط مختصر
العدد 10223 الأربعاء 5 ابريل 2017 الموافق 8 رجب 1438

العقلانية في السياسة تعني في المقام الأول إحلالاً للعقل في الحياة العامة وإدارة المؤسسات والحياة الجماعية، وكما تعني تقيدًا كليًا بنص القانون وبروح القوانين بما هي أعلى تمظهرات هذا العقل، والعقلانية أيضا نوع من الرشاد الذي يحل الفعالية في إدارة الحياة العامة وفي حكم الناس وفي تسيير الشؤون العامة، بما يحقق علوية القانون.

والدولة باعتبارها من يدير أعلى الأجهزة العقلانية، تضطلع بتأمين الشروط العامة لممارسة العقل في الحياة الجماعية، حيث تمثل الأداة الأرقى لتحقيق وظائف العقل في حياة الناس، إذ يكمن دورها ودور المؤسسات التي تتفرع عنها في تأمين ممارسة الحكم الرشيد وفق منظومة القيم التي يتبناها مجموع المواطنين، ومثل هذا المعنى أكدته دساتير الدول الديمقراطية، حيث تؤكد بأن النظام الديمقراطي خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ولتوفير أسباب الرفاهية بتنمية الاقتصاد واستخدام ثروة البلاد لفائدة الشعب وأفضل أداة لرعاية الأسرة وحق المواطنين في العمل والصحة والتعليم، ومختلف الخدمات الأخرى، وبهذا المعنى تجسد الدولة خيارات العقل الكبرى، ومع تأكد سيادتها وأدائها الرشيد تحرص على وضع القيم الجماعية موضع التحقيق والتنفيذ.
ومن هنا انبثق من نفس هذه الدلالة مفهوم «دولة القانون»، كمصطلح ظهر في العصر الحديث، ليشار به إلى النظام السياسي الذي ينهض على التقيد بسيادة القانون وعلويته بما يوافق مبدأ سيادة الشعب، وقد تبلور هذا المفهوم في أعقاب جدل سياسي حاد ساد خلال الحرب العالمية الثانية مع ظهور الدولة الشمولية والدكتاتورية التي استلمت الحكم باسم الديمقراطية في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وفي الدول الاشتراكية وتعارضت مع ما تنهض عليه الديمقراطية من مبادئ وقيم وممارسات..
إن بين العقلانية والديمقراطية ارتباطًا وثيقًا، فلا حكم رشيد من دون قوانين ودون ثقة في تلك القوانين وفي النظام العقلاني الذي يسيرها، ومفهوم الثقة هذا تولدت عنه فكرة العقد الذي قامت عليه الدولة في الأزمنة الحديثة: تنازل من قبل مجموع المواطنين الأحرار عن حريتهم لصالح الدولة التي تتكفل بحماية الحريات جميعها وفق القوانين الضابطة للحياة الجماعية والنظام العقلاني المسير، وإن تعريفا بهذا المعنى للدولة وجهازها العقلاني يتوافق كليًا مع طبيعة المجتمعات الحديثة أو «مجتمعات العقد» حيث أصبحت العلاقات الاجتماعية تنهض على ميثاق الثقة والذي يظهر عندما يضع الجميع ثقتهم في المؤسسات التابعة للدولة: الأمنية والتشريعية والمالية والتربوية وغيرها، التي يسيرها النظام العقلاني الذي يسير حياتنا وينظم علاقاتنا مقابل أن نتنازل ونضع ثقتنا كلها في النظام والعقل والقانون، بشرط شمولية الجميع بنظام ديمقراطي يكون للناس فيه دور أساسي، ولئن قامت الديمقراطيات التي تأسست أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين جميعها على مبادئ أساسية كالفصل بين السلطات الثلاث وإقرار التداول على السلطة بواسطة الانتخابات العامة وتبني التعدد السياسي والاجتماعي وإرساء دولة القانون والمؤسسات، فإن جوهرها الأساسي بقي دومًا الحرية والمساواة، فهاتان القيمتان تبقيان الجوهر العملي والحقيقي الذي يجسم حقوق الإنسان.
لقد وضع عالم الاجتماع الألماني (هانز) عددا من القواعد الناظمة لعلاقة الحاكم بالمحكوم، لخصها في سلم عرف لاحقًا باسمه ‹›سلم هانز››، معتبرًا أن أي ممارسة للسلطة لا تخرج عن واحدة منها، ورتبها على النحو التالي: الأولى: يتصرف فيها صاحب القرار فرديًا، الثانية: يعلم الآخرين بقراره دون أن يطلب رأيهم. والثالثة: يستشيرهم دون أن يأخذ برأيهم. الرابعة: يستشيرهم ويأخذ برأيهم. الخامسة: يشركهم في حل المشاكل. والسادسة: يضع بين يديهم سلطة اتخاذ القرار الذي يهمهم.
ولاشك أن عملية التدرج في الممارسة الديمقراطية والتشارك في اتخاذ القرارات ترتبط بارتقاء الوعي في أي بلد ونضج الحياة السياسية فيها، ولكن وحتى لا نغرق في التفاصيل نصل مباشرة إلى أن أكمل أشكال الديمقراطية التمثيلية ترتقي العلاقة فيها إلى الدرجة الرابعة، عندما يأخذ الحاكم بالاستشارة، ويلتزم بتنفيذها، خلال الحملات الانتخابية مثلاً، هذا أقصى ما يمكن أن تحققه المرحلة التمثيلية من الديمقراطية، فالقرار في نهاية المطاف بيد السلطة المخولة للحاكم ضمن الاستشارة. وإذا كانت الصورة المثالية للممارسة الديمقراطية تتمثل في الدرجة السادسة بحسب السلم المشار اليه، فإن العقلانية السياسية تقتضي القبول بمبدأ أن السياسة لا تحكمها في جميع الأحوال الضوابط الديمقراطية فحسب، بل تحكمها المصالح والمستجدات التي قد يرى فيها الحاكم ضرورة اتخاذ موقف لا يتوافق بالضرورة مع توجهات ورغبات الرأي العام. وما زلنا في هذا السياق نتذكر أن عددًا من الدول الغربية - وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية - قد اتخذت قرارًا بشن حربها العدوانية غير الشرعية على العراق واحتلاله، من دون أن تحظى بموافقة شعوبها وبرلماناتها على ذلك، بل كان العكس هو الصحيح، حيث كانت استطلاعات الرأي والمظاهرات المليونية في شوارع لندن ومدريد ونيويورك وواشنطن تقول صراحة: لا للحرب - لا للعدوان، ومع ذلك حدثت الحرب!!.
وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة لا تجعل من الالتزام بالديمقراطية التمثيلية او التوافقية، آلية محترمة في جميع أوقات السلم والحرب، بما يعطي السلطة في أي مكان في العالم، مجالاً واسعًا لتقدير المواقف، وتحمل مسؤولية ذلك أمام الشعب وأمام التاريخ..
وإذا ما رجعنا إلى الوضع عندنا، واتجاه المطالبات المصنفة إصلاحية - ثورية، وجدنا أنها تتجاوز كافة درجات السلم إلى درجة افتراضية (سابعة)، وهي: تجاوز جماعات وجمعيات للسلطة وشرعيتها المكرسة والمتوافق عليها، والسعي إلى اسقاطها بالتحريض والتواطؤ، في سياق غير ديمقراطي (بالشعارات التسقيطية والافعال الخارجة عن القانون والمنطق والعقل)، ولا يمكن وصف ذلك إلا بكونه محاولة انقلاب، الانقلاب على ما أجمع عليه الجمهور وعلى ما توافق عليه الحاكم مع المحكوم، وهو بذلك انقلاب على السلم الأهلي.

همس
الطائفية السياسية، في جوهرها فذلكة سياسية، تقوم على افتعال وصل السياسة بالطائفية، والطائفة بالدولة، على أساس مبدأ «الحق الطائفي»، ولذلك يكون خطابها خارجًا عن منطق التطور، ويحول السياسة إلى لعبة استوائية، تستوي فيها السلطة والمعارضة، والفرد والجماعة، واليسار واليمين، والرأسمالية والطبقة العمالية والقانون مع الفوضى.

 (وللحديث صلة)

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها