النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

حول إخفاقنا الديمقراطي.. العلاقة مع الشريك المختلف والشريك المؤتلف

رابط مختصر
العدد 10221 الإثنين 3 ابريل 2017 الموافق 6 رجب 1438

عند الحديث عن الديمقراطية، أو تقييم تجربتنا الوليدة فيها (أو الخطوات التي تحققت في رحابها) نتوقف عند أمرين مهمين من وجهة نظري:

أولاً: أن السمة الأكثر تعبيرًا عن طبيعة الدولة الحديثة في العالم الديمقراطي، هي التحديث المجتمعي والثقافي والتنموي معناه الشامل والذي يشكل بمجموعه سقفًا مشتركًا بين الدولة وقوى المجتمع المختلفة. ومن هذا المنطق، فإن العمل الديمقراطي في مجتمع كمجتمعنا ما يزال في بداياته الديمقراطية، يجب ان ينهض على أساس برنامج وطني مشترك الذي لا يدخل ضمن الجدل السياسي في هذه المرحلة التأسيسية: مثل الثوابت الوطنية، والحرية والتعددية والإصلاح والشفافية وحقوق الإنسان واحترام القانون، ورفض العنف بكل أشكاله، ومشاركة المرأة في الحياة السياسية، والمحافظة على السلم الأهلي والتسامح والوحدة الوطنية...الخ..

وإذا انتقلنا إلى البرنامج الوطني المشترك فيجب أن يكون مداره بالضرورة التمركز حول تمسك وثيق بمكاسب الدولة العصرية، ومنظومة الحقوق المدنية المعززة بإنجازات ملموسة على الأرض، في مختلف المجالات (المساواة بين الجنسين، تعميم التعليم العصري، التسامح الديني والفكري...).

وفي هذه الحالة تصبح العلاقة محكومة بنوع من الشراكة بين الطرفين (أو أكثر) داخل منظومة مرجعية، والسلطة بهذا المعنى لا تنحصر فقط في فكرة التغاير، بل تدخل في مجال المشترك مع مختلف مكونات المجتمع السياسية والاجتماعية، وهي بهذا المعنى تتحالف - أو يفترض أن تتحالف - مع كافة القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعمل ضمن الثوابت على تعزيز الدولة العصرية المستنيرة المنتمية إلى العالم الجديد..

وبهذا المعنى تستدعي العلاقة مع الشريك المختلف أو المؤتلف ثقافة جديدة، واستعدادًا لانفتاح وجرأة في العمل السياسي الذي يستهدف تحصين الجبهة الداخلية قبل كل شيء، وضمان إجماع وطني حول رفض الفوضى والعنف والخروج عن القانون، بحيث لا يعقل أن يتم تبرير العنف والتعدي على القانون من قبل جمعيات سياسية تريد أن يكون لها شأن في الحياة السياسية مثلاً، بل وتعلن صراحة انها ضد القانون الذي انشأنها، وضد الدستور الذي منحها الوجود..

ولا شك أن مثل هذا التمشي، يجعل من الفهم الدقيق والعلمي للاستحقاق السياسي وأولوياته، مدخلاً ضروريًا لبناء العلاقة السياسية بين مختلف الأطراف العقلانية، والتي تنظر إلى السياسة على أساس أنها فن الممكن، بما يؤدي إلى بناء إطار عام للعمل الوطني، ضمن الأدنى المشترك والذي يتطلب التقاءً واسعًا وتوحدًا صلبًا حول عناصره الكبرى، ضمن حوار مؤسسي محكوم بذات التوازنات التي أنتجتها دولة الحداثة، من آليات انتخاب واستشارة وسجال ونقد بناء، واحترام متبادل وابتعاد عن الابتذال والسخافة التي تسود الكثير من الممارسات والتصريحات والتهديدات.. فالشراكة داخل الاختلاف هي المطلوبة حاليًا وفي المستقبل لإنجاح التجربة الديمقراطية، وانقاذها، وعدم الإجهاز عليها، وهي تستدعي الاحترام المتبادل، والاحتكام المتبادل للقانون، والمساواة في الفرص بين العناصر المشكلة للنسيج المجتمعي، حتى وإن اختلفت زوايا نظرها للقضايا العامة وأساليب إدارتها ومباشرتها، وهو أمر لا نخاله بعيد المنال.. 

ثانيًا: الوجه الثاني للموضوع، والذي لا يجب ان يغيب عنا، من منطلق الوعي الوطني بالمخاطر والدسائس، أن شعار الديمقراطية ما يزال يستخدم في إطار الحملة الأمريكية - الأوروبية استخدامًا مخصوصًا، لا علاقة لها بمصالحنا، وقد وصل الأمر من خلاله إلى تبرير غزو أو احتلال هذا البلد أو ذاك، بدعوى مقاومة «الدكتاتورية» أو «الإرهاب» و«مساعدة الشعوب على التحرر» ووضع أسس نظام «ديمقراطي»، وهي ذات المصطلحات المستعملة عند غزو يوغسلافيا ثم أفغانستان، وعند احتلال العراق، واسقاط ليبيا وتدمير كيانها، ومحاولة زعزعة استقرار دول عديدة وتفكيكيها وادخالها في مرحلة الفوضى مثل سوريا.

صحيح أن التجارب الديمقراطية العربية وتجلياتها على الأرض منذ أواسط القرن الماضي كانت في تعثرها وتحولاتها وفشلها المزمن في جدل دائم مع العامل الخارجي، وذلك أن الديمقراطية نفسها لم تكن أولوية اجتماعية في منظور الأنظمة العربية، التي كانت تقدم المعارك (الحقيقية والوهمية) عن الخيار الديمقراطي، كما أن الديمقراطية المستزرعة عربيًا، قد كانت منقولة إلى تربة خالية من مجتمع مدني حي ونشط، ولذلك لم يتسنَّ لها ان تنمو أو تعيش طويلا، وحتى الحالات التي قدر لها ان تستمر نسبيًا (ولو بشكل جزيء وأعرج) فقد عاشت بوسائل اصطناعية، أو في صور شكلية، لأن الديمقراطية المستزرعة من دون تنظيمات المجتمع المدني المسئولة عن التنشئة المدنية والسياسية المبكرة للمواطن، ومن دون تنمية سياسية وثقافية، غالبًا ما تتحول إلى حالة سطحية قشرية سريعًا ما ينكشف أمرها وتخفق عند أول منازلة سياسية. ولعل مثل هذا الخلل هو الذي يفسر بعض أسباب الإخفاق العربي المزمن في زرع شجرة الديمقراطية في التربة العربية، رغم التجارب المبكرة في استيراد أشكال وآليات ديمقراطية منذ بدايات القرن الماضي، حيث عرفت دول عربية نظما انتخابية وبرلمانية مهمة، ووضعت الدساتير، وأخذت بمبدأ الفصل بين السلطات في وقت مبكر، وفتحت البال لصدور صحف حرة، وأحزاب وجمعيات سياسة معارضة.. ولكن لم تتحقق مع ذلك النقلة المنشودة على مستوى الممارسة الديمقراطية.

فتجارب قرن من الزمان في المعارضة السياسة والمطالبة بالديمقراطية وتكريس آلية ديمقراطية للتداول السلمي على السلطة، لم تثمر أي بناء ديمقراطي ثابت وقوي، بل ظلت هذه التجارب على محدوديتها مجرد بناء سياسي فوقي، إذ لم توجه الجهود نحو ترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في التربية الاجتماعية، كقيم وعلاقات وعلى مستوى التنشئة الأولى: عبر التربية والفكر والسلوك في البيت، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي النادي، وفي الجمعية، فلم تترسخ الممارسة الديمقراطية، ولم تثمر شجرة الديمقراطية شيئًا ذا بال، لأنها لم تغرس جذورها في الأرض العربية، فظلت في مهب الريح معرضة للاقتلاع عند هبوب أول ريح، أول مواجهة أول أزمة. وعليه فإن من الواضح أن انشغالنا الطويل بالسياسي والأيديولوجي على حساب الثقافي والفكري والاجتماعي والقيمي والتربوي، فضلاً عن أنه أوصلنا إلى طريق مسدود، فقد أفرز في النهاية، شخصية عربية متلونة متناقضة متذبذبة، تنادي بالديمقراطية صباحًا، وتمارس نقيضها مساءً، أو تضمر غيرها، فتقفز الوحشية فجأة لأنها لم تمت وانما اختفت مؤقتا، وتلك أكثر نكباتنا استفحالاً. (وللحديث صلة). 

همس

يا سيد اللحظة الهاربة

أين نلتقي؟ هل نلتقي؟ 

يا سيد الموسم الخامس، 

رحل الشتاء، 

ومازالت الغيمات تراودني

وأرضي مكتظة بالسؤال.....

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها