النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

سياســـــة الربـــــان

رابط مختصر
العدد 10217 الخميس 30 مارس 2017 الموافق 2 رجب 1438

جردة سريعة لما تحمله قنوات شبكات التواصل الاجتماعي العربية من مواد نصية وسمعية بصرية تكشف أن غالبيتها تتمحور حول قضية واحدة هي «الوضع العربي المزري». يركز البعض منها على الجوانب الاقتصادية، فيبدأ بسرد قائمة عناصر تمظهر تردي الاقتصاد العربي بمراوحته عند النمط الريعي في الإنتاج، وإصراره على الاكتفاء بالنفط الخام كسلعة رئيسة فيه. ثم ينطلق من ذلك كي يمعن في جلد الذات من خلال ابراز التشوهات التي تولدها التبعية العربية للاقتصادات الأجنبية في جسد الاقتصاد العربي.

ومن الاقتصاد ينتقل أصحاب تلك المواد إلى السياسة كي تمخر سفنهم عباب بحور السياسة العربية المتلاطمة بما يحتضنه ذلك التلاطم من تفسخ في بنية العمل السياسي العربي الذي يكشف، بشفافية لا متناهية، عمق شروخ بنيان الخلفية الفكرية التي تسير مكونات العمل السياسي العربي، سلطة كانت تلك المكونات أم معارضة. وتحمل هذه المكونات مجموعة لا بأس بها من الصور الكارتونية المفرطة في سخريتها.

وقبل ان تحط رحالها عند الاجتماع والوضع الاجتماعي تلتفت تلك المواد عند الواقع التعليمي كيف تكتشف قائمة أخرى من العوامل التي تسلط الضوء على الواقع المأساوي الذي يسيطر على التراجع النسبي، بل وحتى المطلق الذي تئن تحت آلامه منظومة التعليم العربية، والتي لا تستطيع أن تموهها مجموعة من الإنجازات العرضية المجتزأة التي تحققها هذه الدولة العربية أو تلك.

تنعكس هذه الحالة، بأعراضها المهينة، التي تفرزها أسبابها الكامنة والمتحركة، على سلوك المواطن العربي الذي بات يتمظهر في أربع فئات رئيسة:

الأولى منها تلك التي وصلت أمورها إلى حالة عالية من الاحباط فكفرت، والعياذ بالله، بكل شيء، ومن كل شيء، ولم تعد تنظر إلى صورة المشهد السياسي العربي إلا من خلال عدسات نظارة قاتمة السواد، تفقد من يرتديها القدرة على رؤية بعض تلك البقع الرمادية التي لاتزال تجاهد كي تثبت نفسها فوق سجادة ذلك المشهد. يكلل السواد ذلك المشهد، فتنشل معه عضلات الناظر إليه وتمنع هذا الأخير حتى من الحركة، دع عنك تلك الحركة الإيجابية المطلوبة.

الثانية هي التي همشت نفسها وارتضت أن تحتل مقاعد المتلقي من خلال سلوك اللامبالي، الذي لا تتجاوز ردود فعله درجة المتلقي المنصاع لأوامر تلك الحالة، بدلا من مواجهتها، ولو بإحناء الرأس لها، ولو لفترة قصيرة، وبشكل مؤقت. تولد اللامبالاة حالة من العدمية التي تجرد أصحاب هذه الفئة حتى من مجرد التفكير في إمكانات التغيير أو الحد من التدهور المتوقع. تولد هذه اللامبالاة مساحة واسعة تحتلها شريحة من المجتمع تشكل عنصرا مشلولا غير قادر عن العطاء، ومن ثم يفقد المجتمع العربي نسبة عالية من قدراته على الخروج من أزمات هذا الواقع المزري الذي نشخصه. 

الفئة الثالثة هي تلك الفئة التي تحاول أن تتجاوز هذه الأزمة من خلال القفز فوق العوامل التي ولدتها، ومن ثم فهي تلجأ إلى الامتعاض المستمر، والمشوب برفض متواصل يسير في خط مستقيم، يفتقد إلى المرونة التي تبيح له الانحناء في وجه العاصفة لتحاشيها قبل أن يشرع في عبور المساحة التي تغطيها. 

لكن بعيدا عن هذه الفئات التي يصعب عليها، بفضل سلوكها، التأثير مسار وحركة مكونات المشهد السياسي العربي، تبرز الفئة الرابعة التي تتمتع بالرؤية الشمولية القادرة على مراقبة الشهد السياسي العربي من خلال منظار متعدد الأبعاد، لا تخطئ عدساته تضاريس ذلك المشهد، بل تراها بألوان طيوفها السياسية المختلفة، وطبغرافية مكوناتها الاقتصادية المتباينة، ونتوءات فئاتها المجتمعية المتعارضة.

هذه الفئة هي النخبة المتميزة القريبة، من حيث المكونات والسلوك، من طاقم السفينة الماهر الذي يجاهد كي يقود سفينته إلى شواطئ الأمان، بعد أن وجد نفسه غير قادر على تحاشي المرور بمسافة تضربها العواصف، وتعج بأمواج عاتية.

تماما كما تحتاج السفن، وهي تعبر تلك المسافة القصيرة المحفوفة بالمخاطر، إلى طاقم ماهر متماسك، يقوده قبطان حاذق يتمتع بالخبرة والذكاء اللذين يسخرهما لصالح العبور إلى بر الأمان كي ينقذ الركاب قبل السفينة.

مثل هذا الربان الماهر عليه أن يحقق مجموعة من الأهداف التي من غير الملائم، لضمان سلامة السفينة وركابها، المساومة عليها، وفي مقدمتها:

الاحتفاظ بهدوء الركاب وتماسكهم، للحد من انفجار فوضى ليس من المستبعد أن تكون عارمة تقود السفينة نحو الغرق، بفضل هلع الركاب وتدفقهم في مسارات فوضوية غير منظمة.

السيطرة على تماسك أعضاء طاقم القيادة، وضمان اسكات أي صوت نشاز يخرج من بين صفوفهم، من شأنه إشاعة روح اليأس أو نشر نزعة التشاؤم. فأي منهما من الطبيعي أن يقود إلى شق صفوف هذا الطاقم، وتجريده من قوة التماسك والانضباط الصارم اللذين لا يستغنى عنهما في هذه الظروف الحرجة.

إسكات الأصوات النشاز التي تحاول أن تصطاد في الماء العكر، بالتشكيك في قدرات أعضاء فريق القيادة، والطعن في قدراتهم الملاحية، والتي لن تتردد في إبراز عضلاتها كي يكون لها موقع مميز تهيؤه لجني المكاسب عندما تعبر السفينة، بفضل مهارة طاقمها، تلك المسافة الخطرة.

تماما كما تحتاج السفينة إلى ربان ماهر وطاقم بارع يأخذ بيدها إلى شط الأمان، يحتاج الواقع العربي اليوم إلى قيادة سياسية ماهرة، يتقدمها زعيم حاذق ينقلها من واقعها المتردي الذي تعاني منه إلى بحر الأمان الذي تبحث عنه.

يحتاج العرب اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ربان سياسة ينتشلهم من مستقبل مدلهم يتربص بهم. وفي غياب ذلك الطاقم، وعدم توفر ذلك القائد، فمن غير المستبعد أن تغرق سفينة العمل السياسي العربي، تماما كما تغرق السفينة عندما تهب عليها العواصف ولا يوجد على ظهرها ربان ماهر يقود طاقم حاذق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها