النسخة الورقية
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    7:36PM

كتاب الايام

«نجيب محفوظ» يحصل على جائزة «أبوالمعاطي» في خدش الحياء العام

رابط مختصر
العدد 10214 الإثنين 27 مارس 2017 الموافق 28 جمادى الآخرة 1438

قبل أيام من الاحتفال بالعيد الخامس بعد المائة لميلاد «نجيب محفوظ» في 11 ديسمبر 1911، وبعد أسابيع من الذكرى العاشرة لرحيله في 30 أغسطس 2006، كشف «أبو المعاطى مصطفي» - عضو مجلس النواب المصري - عن أن الرجل الذي لا يختلف أحد من القراء أو النقاد، عن أنه عميد الروائيين العرب، والأديب العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل للآداب، قد أفلت من عقوبة السجن التي يستحقها لأن أعماله تخدش الحياء العام، وأنه لو كان حيًا لوجبت محاكمته بهذه التهمة، التي تصل عقوبتها في قانون العقوبات المصري القائم إلى الحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة تترواح ما بين خمسة وعشرة آلاف جنيه.

أعلن النائب «أبو المعاطي» عن هذا الكشف التاريخي المثير، أثناء اجتماع خصصته لجنة الشئون التشريعية والدستورية بمجلس النواب، لمناقشة اقتراحين بمشروعين قانونيين، قدمهما اثنان من النواب، لتطبيق المادة 67 من الدستور، التي تنص على عدم توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الأدبي أو الفني أو الفكري، وتستثنى من ذلك جرائم التحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في الأعراض، إذ تركت تحديد عقوبتها للقانون، واقترح مقدما المشروعين أن تستبدل عقوبة الحبس بمضاعفة الحد الأدنى للغرامة مرة واحدة، لترتفع من خمس إلى عشرة آلاف جنيه، ومضاعفة الحد الأقصى لها خمس مرات لترتفع من عشرة آلاف إلى خمسين ألف جنيه.

ومع أن اللجنة التي كانت تنظر الاقتراحين هى المنوط بها تقرير مدى دستورية مشروعات القوانين قبل عرضها على المجلس، ومع أن مقدمي المشروعين عضوان في «ائتلاف دعم مصر» الذي يشكل ما يفترض أنه الأغلبية البرلمانية في المجلس والأغلبية بين أعضاء اللجنة، والذي يدعم الحكومة في كل سياستها، فقد تخلى عنهما ممثل الحكومة، وهو وزير الشئون القانونية والبرلمانية ورفض المشروعين، بدعوى أنهما لم يتطرقا إلى تحديد العقوبة في جرائم التحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في الأعراض، التي نص الدستور على استثنائها من الجرائم التي لا يجوز فيها توقيع عقوبة الحبس، وعارضتها أغلبية اللجنة، بدعوى أن خدش الحياء العام ليس إبداعا، بل هو دعوة للإباحية، وانتهت إلى رفض المشروعين بأغلبية 21 صوتًا ضد 6 أصوات.

وأثناء المناقشة الحادة التي دارت داخل اللجنة بين الأغلبية والأقلية، قال نائب من المعسكر الأول إن الاقتراحين ضد الأخلاق والآداب العامة، ورد عليه نائب من المعسكر الثاني قائلاً: معنى ذلك هو أنك تعتبر أن أعمال «نجيب محفوظ» كلها خادشة للحياء العام؟ فتطوع النائب «أبو المعاطى مصطفي» - الذي لم يكن طرفا حتى ذلك الحين في المناقشة - للرد، معلنًا مقولته الخالدة، بأن «نجيب محفوظ» لو كان حيا لوجبت محاكمته بتهمة خدش الحياء العام، فاصحا بذلك عن الحقيقة، وهى أن معسكر المعارضين لإلغاء عقوبة الحبس في جرائم الإبداع الأدبي والفني والفكري ينطلقون من رؤية ترفض من حيث المبدأ هذا الإبداع وتعتبره قلة أدب، حتى لو أدى ذلك إلى تعطيل تقنين المواد الدستورية التي تنص على غير ذلك.

وليس «النائب أبو المعاطي» أول المحافظين أو المنتمين إلى التيارات الدينية المتشددة، الذي يوجه هذا الوعيد لنجيب محفوظ في حياته أو بعد مماته، فقد سبقه لذلك آخرون انتهت مواقفهم المتشددة وقراءاتهم الخاطئة للنصوص الأدبية والفنية والفكرية، إلى منع تداول روايته «أولاد حارتنا» في مصر، بدعوى أنها تسىء إلى الأنبياء، كانت الرواية خلالها تطبع وتوزع في بلاد عربية وإسلامية أخرى، وقادت إلى محاولة اغتياله الشهيرة على يد شاب جاهل لم يقرأ له حرفًا واحدًا، وليس هو الأديب أو الفنان أو المفكر المصري أو العربي أو الأجنبي الوحيد الذي لو طبقت عليه مقولة أبو المعاطي، لتوجب سجنه، أو سجن من ترجم أعماله لو كان حيا، أو التحسر لأنه رحل عن الدنيا دون أن يتشفي النائب «أبو المعاطي» بسجنه، وسجن من ينشر أعماله بعد رحيله، لأن تطبيق القاعدة التي وضعها حضرة النائب المحترم سوف تنتهي بإدراج أسماء لامعة من بينها «توفيق الحكيم» و«إحسان عبد القدوس» و«يوسف السباعي» و«يوسف إدريس» و«الطيب صالح» و«لويس عوض» و«طه حسين» و«جوستاف فلوبير» و«لورانس» و«جورج صاند»..... إلخ.

والمشكلة لا تكمن فقط في أن ما قاله النائب «أبوالمعاطي» والذين اتخذوا نفس موقفه، يؤهله ويؤهلهم لأن يكونوا مديرين لمصلحة السجون أو ضباطا بها، أكثر مما يؤهلهم لعضوية مجلس النواب، ولكنها تكمن - كذلك - في تعدد الشواهد على أن عددًا ملحوظًا من النواب، أقسموا على أن يحترموا الدستور، وليس في نيتهم الوفاء بهذا القسم.

ولو كان في نية هؤلاء أن يطبقوا النص الدستوري، الذي ينص صراحة على عدم جواز توقيع عقوبة سالبة للحرية في جرائم علانية المنتج الأدبي أو الفني أو الفكري، لاجتهدوا في المواءمة بين هذا النص وبين مخاوفهم من أن يستغله البعض لنشر المطبوعات الإباحية، بزيادة الحدين الأدنى والأقصى للغرامة في حالة ما إذا ثبت للمحكمة أن العمل محل الاتهام يستهدف خدش الحياء العام دون ضرورة أدبية أو فنية فكرية، ولا ألزم المحكمة بإحالة هذه النصوص إلى لجنة من الخبراء المتخصصين لتقرير ذلك، وأباح لدفاع المتهم أن يستعين بتقرير مضاد إذا وجد ضرورة لذلك.

ألم يكن ذلك أفضل من الدعوة لمحاكمة نجيب محفوظ بتهمة خدش الحياء، العام، التي تحسر النائب عبد العاطى بأن الموت قد أنقذ «محفوظ» منها مع أن تصريحات النائب المحترم أمام اللجنة، وعلى شاشات التليفزيون، تكشف عن أنه لم يقرأ في حياته حرفا واحدا من كتابات الروائي العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل في الآداب، ولم يحصل على جائزة «عبدالعاطي» في خدش الحياء العام إلا بعد عشر سنوات من رحيله!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها