النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11199 السبت 7 ديسمبر 2019 الموافق 10 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

حكم التاريخ لا يرحم...

رابط مختصر
العدد 10202 الأربعاء 15 مارس 2017 الموافق 16 جمادى الآخرة 1438

 كيفما سيكون الحكم القضائي الذي سيصدر بحق جمعية «وعد» في الدعوى المرفوعة ضدها من وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف والتي تطالب فيها بحل هذه الجمعية، حجتها في ذلك ما وصفته بممارسات استهدفت «مبدأ احترام حكم القانون ودعم الإرهاب وتغطية العنف»، فإن الحديث عن الجمعية وعن ممارسات قيادييها، في أثناء نظر المحاكم في هذه الدعوى وبعدها، بالنقد والتقييم سيبقى متواصلاً، لينا كان هذا الحديث أم قاسيًا، إيجابيًا كان أم سلبيًا، ذلك أن من يقتحم المجال العام عبر ممارسة السياسة عليه أن يتحمل الرأي المخالف ومختلف وجهات النظر الأخرى، خاصة إذا ما شطح به خياله بعيدًا عن المصلحة الوطنية الشاملة، وسجل انحيازه الكامل لفئة لم ترد للوطن الخير في كل ما ارتكبته من آثام، فحازت على ما يشبه الإجماع الوطني على فسادها في الأرض لتلتقي بذلك إرادة الجماهير مع إرادة الحكم في تصنيف هذه العصابة بأنها فئة ضالة ومضللة.
 لقد سبق لي وأن أشرت في مقال يوم الجمعة الماضي إلى أنه لو قدر للراحل عبدالرحمن النعيمي، رحمه الله أن يعيش بيننا هذه الأيام ويشهد هذه العلاقة التي أقل ما يقال عنها إنها خيانة للوطن، لما كان ليسمح لمثل هذا التحالف أن يستمر. ومثل هذا القول يقع طبعًا في خانة الرجم بالغيب، وفي خانة الفرضيات الحجاجية التي يراد بها دعم فكرة خروج قيادة «وعد» عن الخط الوطني الذي كان الراحل عبدالرحمن النعيمي متشبثًا به رغم تبنيه موقع المعارضة في علاقته بأكثر خيارات الحكومة. وفي تعقيب على ما كتبت وصلتني معلومة من قريب لي جدًا ممن كانوا يتواصلون من موقع رسمي مع كافة الجمعيات وأصحاب الطيف السياسي في البحرين. وكان قد التقى بالمرحوم النعيمي بعد انتخابات 2006 البرلمانية، وسأله عن تقييمه لتجربة التنسيق والتحالف بين «وعد» و«الوفاق». ليتفاجأ قريبي بردة فعل منه غاضبة وغير متوقعة، إذ وصف المرحوم العلاقة بينهما بأنها مهينة لجمعية «وعد»، وأن «الوفاق» استغلتهم أبشع استغلال من أجل مصالحها. ويضيف إلى ذلك أيضا أنه يذكر وبشكل لا لبس فيه أن النعيمي استخدم العبارة التالية: «يبدو لي يا أخ..... أن (الوفاق) متزوجتنا زواج متعة!!» وكم كان هذا الوصف بليغًا وصادقًا، وفاضحًا لعلاقة عرفية ما كان لها أن تكون بمنطق الأشياء، وما كان لها أن تكون بحكم التباين الصارخ بين الجمعيتين كيفما قلبنا الأمر.
 إن هذا الموقف الذي عبَّر عنه المرحوم النعيمي بخصوص التحالف مع جمعية «الوفاق» المنحلة، وتشبيهه إياه بزواج المتعة ليطرح السؤال الآتي: يا ترى، ألم يكن قد صارح المرحوم أحدًا بوجهة النظر هذه التي تحمل في طياتها تشكيكًا صريحًا في مقاصد جمعية «الوفاق»، وأهدافها التي شكلت عبئًا كبيرًا على تفكير المرحوم؟ فإذا كان النعيمي قد قال ما قال في صورة شكوى لشخص أو أسر به لأحد ما، كما قاله لقريبي، فإنه لمن المؤكد أن رفاقه المقربين منه - وخصوصًا القياديين منهم - كانوا على علم بهذا الهم الذي كان يحمله. ولهذا أفلم يكن من الأجدى بعد وفاة النعيمي أن يبنى على رأيه هذا موقف أكثر شفافية مع أعضاء الجمعية ليتبينوا حقيقة العلاقة مع الجماعات العنفية في المجتمع؟!
 شخصيًا استنتج من حديث المرحوم أنه قد غادر دنيانا ولم يتمكن من التأثير في وضع نقطة النهاية لأكذوبة التحالف الذي جمع التنويري المؤمن - على باب الافتراض - بالدولة المدنية وقيم المواطنة بالمتخلف الطائفي - على باب اليقين - المؤمن بنظام ثيوقراطي كل مخالف فيه لرأي الولي الفقيه كافر أو على الأقل زنديق، فكان أن تدخلت الدولة لتنهي هذه المهزلة الإيديولوجية والسياسية بقوة القانون.
 قد تجد أن التحالف بين الأحزاب المتنافرة في مجتمع ما وفي فترة ما من الزمن له ما يبرره، إلا أن التحالف الوثيق الذي كان حاكمًا للعلاقة بين جمعيتي «الوفاق» المنحلة وشقيقاتها المذهبيات وجمعية «وعد»، لهو تحالف تنازلت فيه جمعية «وعد» عن كل قيم العمل السلمي التي قامت عليها، وذلك - في ظني - بسبب إرث «نضالي» قائم على عداء مطلق للنظام السياسي، وجد ضالته لدى هذه الجماعات الطائفية التي تحمل إرثها الخاص بها أيضا والمتمثل بـ «المظلومية التاريخية». وكما يقال «وافق شن طبقة».
 وعلى الرغم من محدودية -حتى لا نقول انعدام - تأثير جمعية العمل الديمقراطي «وعد» منفردة في الواقع السياسي بحكم نخبوية الجمعية، إلا أن لها في مسار الأحداث التي شهدها المجتمع البحريني في 2011 حضورًا لافتًا بين مجموعة الجمعيات «اليسارية» في تحالفها مع الجمعيات المذهبية التي فشلت في إسقاط النظام، وذهبت مع الذاهبين إلى الحديث عن الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، وهي المطالب التي لم تكن أصلا عناوين لحراكها ذاك. هذا الحضور البارز كان له أثر سلبي في المجتمع البحريني، إذ أنه كان بمثابة هبة، في شكل تنازل عن مبادئ وقيم، من الجمعيات «الليبرالية» للجمعيات المذهبية مكنتها من أن ترتدي قناع المدنية وتخلع عنها صفة الطائفية أمام المجتمع الدولي. فكانت النتيجة قد أظهرت على نحو فاقع أن الحراك برمته قد فشل في نزع هذه الصفة، لأنها كانت صفة طاغية جدًا يصعب انتزاعها أو إخفاؤها أو على الأقل إنكارها. لقد ساهمت «وعد» من حيث تدري ولا تدري في شق المجتمع وفقًا للأجندة الطائفية التي كان يسير وفقها طابور طهران الخامس، بل إنها قد أطلقت أقلام كتاب إعلام الجمعيات المذهبية ومن تحالف معهم لينفوا عن حراكهم ذاك صفة الطائفية ويلقوا بتبعات ممارساتهم الطائفية تلك على كواهل غيرهم من مكونات المجتمع البحريني ممن رفضوا الخراب الممنهج الذي كان ينفذه قادة دوار العار وشيوخه المزعومون.
 بلا شك، القضاء سيبت في الدعوى المرفوعة ضد «وعد»، وسيصدر حكمه فيها إن آجلاً أم عاجلاً. فإن كان حكمًا بالحل، فحكم التاريخ سيكون بالتأكيد أشد قسوة من هذا القرار القضائي، وإن كان حكمًا ببقاء جمعية «وعد»، فهذا لن يحميها من أن تكون في مرمى مساءلة شعبية مستمرة في مجتمع يرى المعارضة وطنية إذا لم تقوض النظام العام وتخرج عن حدود مصالح الوطن العليا ويراها خائنة إذا ما أرادت التآمر على أمن الوطن وتحالفت مع من لم يرَ منهم غير دعوات السحق وسرعة التنادي، في الداخل والخارج، إلى كل مــا يسيء إلى البحرين. حكــم التاريخ يا مــن تبقــى مــن «وعـد» لا يرحم، ولا مفر منـه. والنــاس لن تلــوذ بالصــمت وتكتـفي به إزاء من يتمـادى بالـلـعب بمصالحها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا