النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

دبلوماسية الموت في جنازة «عمر عبدالرحمن»

رابط مختصر
العدد 10200 الإثنين 13 مارس 2017 الموافق 14 جمادى الآخرة 1438

سرق المواطن المصري «سيد الدويك» الكاميرا من تداعيات خبر رحيل الشيخ «عمر عبدالرحمن»، الذي أعلنت إدارة سجن ولاية كارولينا الأمريكية يوم السبت 18 فبراير الماضي عن وفاته بعد أن قضى في إحدى زنازينه 24 عامًا من العقوبة التي حكم بها عليه عام 1993، وهي السجن مدى الحياة بتهمة التحريض على شن هجمات إرهابية ضد مركز التجارة العالمي بنيويورك.
وعلى العكس من «السيد الدويك» الذي لم يسمع أحد من قبل باسمه، أو تنشر صحيفة رسمه، فقد ظل الشيخ «عمر عبدالرحمن»، على امتداد ربع القرن الذي أمضاه خلف أسوار سجن ولاية كارولينا، واثني عشر عاما سبقتها، منذ أن برز اسمه -عام 1981- باعتباره المتهم الأول في جريمة التحريض على اغتيال الرئيس المصري الأسبق «أنور السادات» ملء السمع والبصر، لا تكف الصحف ووسائل الإعلام عن ذكره، كلما تناولت أمرا من أمور ظاهرة «الإرهاب الدولي باسم الإسلام»، باعتباره أحد رموزه، المسؤولين عن قص شريط الدم، الذي أسفر خلال تلك السنوات عن مصرع واستشهاد آلاف لا تحصى من المسلمين وغير المسلمين، من الساسة ورجال الشرطة وآحاد الناس، الذين لا يعرف لهم أحد اسمًا أو رسمًا.. من الرجال والنساء والأطفال.
وكما كان يحدث في حياته، فقد كان لابد أن يثير خبر تدهور أحواله الصحية، اهتماما بالغا في دوائر وزارات الخارجية في عديد من دول العالم، كان على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي أمضى ربع القرن الأخير من عمره في أحد سجونها، ومصر التي ولد في إحدى مدنها الصغيرة عام 1939، وبعض الدول العربية والإسلامية، التي كانت طرفًا في مشاورات دبلوماسية مع الإدارة الأمريكية، حول نقله إليها ليمضي أيامه الأخيرة بها، بعد أن تعددت الشواهد على أن ساعة رحيله عن الدنيا قد اقتربت، فضلا عن دوائر الحركات الإسلامية المتشددة، التي كان الشيخ أحد أقطابها البارزين.
وما كاد خبر وفاة الشيخ «عمر عبدالرحمن» يبلغ رسميا إلى أسرته في القاهرة، لتبادر بإعلانه، وتضيف أنها تجري اتصالات مع السلطات الأمريكية والمصرية، لتنفيذ وصية الشيخ بأن يدفن في مسقط رأسه بمدينة «الجمالية»، حتى اندفع البعض يعترضون على ذلك، ويطالبون الإدارة الأمريكية بأن تتعامل مع الجثمان بالطريقة ذاتها التى تعاملت بها مع جثمان «بن لادن» في أعقاب مصرعه، فيدفن جثمان «عمر عبدالرحمن» في مياه البحر، حتى لا يتحول قبره في مصر إلى مزار مقدس، يحج إليه تلامذته ومريدوه من الإرهابيين، لكي يبايعونه على السير في دربه، ومواصلة رسالته المقدسة.
وكان لافتا للنظر، وباعثا على دهشة كثيرين أن الإدارة المصرية، التي ظن البعض أن هذا الاعتراض يعبر عن موقفها، لم تلق بالا إليه، بل إنها على العكس من ذلك أصدرت تعليماتها إلى كل مؤسساتها الدبلوماسية والأمنية بأن تنوب عن أسرة الشيخ، في إجراء كل الاتصالات مع السلطات الأمريكية، على نحو ييسر نقل الجثمان إلى مصر، ودفنه في المكان الذي أوصى بأن يدفن فيه، بل وخصصت آلافا من رجال الأمن، لضمان وصول المشاركين في الجنازة إلى مكانها وحمايتها وتأمينها، حتى بدا وكأن جنازة الشيخ «عمر عبدالرحمن» كانت أشبه بجنازة رسمية.. للرجل الذي يُوصف بأنه «مفتي الدماء» أو الأب الروحي لفريق من الإرهابيين.
ولا مفرّ من التسليم بأنه كان وراء موقف الإدارة المصرية من جنازة الشيخ «عمر عبدالرحمن» تقديرات سياسية حصيفة، استندت إلى إدراك وضعوا تقديراته بأن المسلمين عمومًا -بمن فيهم المصريون- ينطلقون من رؤية شرعية واجتماعية تذهب إلى أن الموت ينهي كل الخصومات الدنيوية، والشماتة فيه لا تجوز؛ لأن الميت لا تجوز عليه إلا الرحمة، وأن المسلم مطالب بأن يذكر محاسن موتاه، وأن يستغفر لهم ذنوبهم، وهو يثاب في الدنيا والآخرة، إذا شارك في تشييع الموتى والصلاة عليهم وحمل نعوشهم.
من الناحية السياسية فإن الشيخ «عمر عبدالرحمن» هو المرشد الروحي للجماعة الإسلامية في مصر، التي برز اسمها ودورها على ساحة أعمال العنف والإرهاب التي شهدتها مصر، في موجتين بدأت الأولى منهما في منتصف السبعينات، وانتهت باغتيال الرئيس الراحل «أنور السادات» عام 1981، وبدأت الثانية في بداية التسعينات وانتهت بـ«مبادرة وقف العنف» التي أعلنتها الجماعة في منتصف التسعينات، وقادت إلى مناقشات واسعة دارت بين آلاف من أعضاء الجماعة، الذين كانوا رهن الاعتقال أو ينفذون أحكامًا قضائية بالسجن صدرت بحقهم، وأسفرت هذه المناقشات عن مراجعة أفكارهم، التي يدينون بمعظمها إلى «الشيخ عمر عبدالرحمن» وإعلانهم بأن قرار اغتيال الرئيس السادات، كان من الناحية الشرعية خطأ، وأنه اغتيل ظلما، وقيل إن «الشيخ عمر» - الذي كان يحاكم آنذاك أمام القضاء الأمريكى - قد بارك «مبادرة وقف العنف» ووافق إلى ما انتهت إليه واستنادا إلى ذلك، صدرت قرارات بالإفراج عن المعتقلين من أعضاء الجماعة، والعفو عن بعض المسجونين من قادتها، الذين وافقوا على المبادرة.
صحيح أن بعض هؤلاء القادة، كان من بينهم بعض الذين شاركوا في وضع هذه المراجعات، قد عدلوا عن موقفهم ذاك بعد ثورة 25 يناير، وانضموا -بعد ثورة 30 يونيو- إلى «تحالف دعم الشرعية» الذي يضم الفصائل الإسلامية التي تناهض النظام الحالي، واستندوا في ذلك إلى أن الشيخ «عمر عبدالرحمن» لم يساند مبادرة وقف العنف، ولم يؤخذ رأيه في المراجعات التي أسفرت عنها، إلا أن القيادة التاريخية للجماعة لاتزال تتمسك بهذه المراجعات، وتلتزم بالنتيجة التي انتهت إليها المفاوضات بينها وبين السلطات الأمنية المصرية، وخلاصتها إقرار الجماعة بأنها قد أخطأت حين سارت في طريق العنف، وأساءت تفسير النصوص الشرعية وأخطأت تقدير الظروف السياسية والاجتماعية، حين سارت في هذا الطريق، وأنها قررت أن تعود إلى قواعدها سالمة، وأن تتحول إلى مجرد جماعة دعوية سلمية، لا شأن لها لا بالسياسة.. ولا بالعنف!
ولابد أن ذلك كان العامل الثاني المهم، وراء تقدير الموقف الذي انتهى بالإدارة المصرية، إلى التغاضي عن اعتراض البعض على إعادة جثمان «عمر عبدالرحمن» إلى مسقط رأسه، كما أنه كان في الغالب من بين الأسباب التي دفعت المواطن المصري «سيد الدويك» الذي لم يسمع له اسمًا، أو تنشر صحيفة له رسمًا لكي يقرّر سرقة الكاميرا من جنازة الشيخ «عمر عبدالرحمن»، وتلك قصة أخرى تستطيع الانتظار إلى المقال القادم!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها