النسخة الورقية
العدد 11058 الجمعة 19 يوليو 2019 الموافق 16 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

إيران وخناجر تحت عباءات الغدر 1/‏5

رابط مختصر
العدد 10196 الخميس 9 مارس 2017 الموافق 10 جمادى الآخرة 1438

 تستمد الثقافة والإرث العنيف في الإسلام السياسي الشيعي المعاصر في ايران تربة «ظاهرة الاغتيالات» من سلالة إرهابية قديمة هي الفرقة الاسماعيلية، فقد كانت منبع تيار وجماعة الحشاشيين، التي كان يقودها وينظمها حسن الصباح في قلعته الشهيرة (آلموت) حيث هناك تولد الفتوى وتتطور الى الاعداد المنظم والخطط التي ستنفذ نحو هدف بعيد في بلاد الاسلام أو حتى وإن كان الهدف ابعد مكان في الكون، فحاملو الخناجر تحت عباءاتهم فتية مخدوعة وهبت نفسها للشهادة وهي المليشيا الفدائية المناط بها تنفيذ المهمات الرسالية ورغبة القائد الإمام في تصفية الخصوم، تلك الفرق الانتحارية قديما لم تكن تبالي بالنتائج ولم تخرج في الظلمة وحسب بل وفي وضح النهار، وليكن ما يكون فهم على دراية اين هم ذاهبون وماذا يفعلون بعد ان يتم غسل ادمغتهم لفترة قصيرة في غرف تلك القلعة السوداء قلعة (آلموت) ولمزيد من التفاصيل انصح بقراءة كتاب «أساطير خرافات الحشاشين واساطير الاسماعيليين» لفرهاد دفتري. 

هذا الإرث المتواصل سنجده متحصنًا ومتوارثًا في قم وبين رجالات الدين وخارجهم في الثقافة الفارسية، فقد نفذوا عمليات تصفيات وتطهير في زمن الشاه وفي زمن الثورة والجمهورية الاسلامية. وسنتعرض لكل انواع البطش والتعذيب والتهديد التي تفننت بها «الجمهورية» الاسلامية ضمن صراعات مراكز القوى والمنظمات والمؤسسات المتعددة في هرمية السلطة الدينية (الثيوقراطية). 

ويأتي تأسيس «المحكمة الخاصة برجال الدين» تتويجًا لذلك النهج فعادة تكون المحاكم لمحاسبة اخرين لا ينتمون للمؤسسة ذاتها، ولكن هذا التطهير فاق وتجاوز نهج محاكم التفتيش الظلامية في اسبانيا وايطاليا والمحاكم النازية في عهد هتلر، فمحاكم رجال الدين نادرًا ما خرقت التابو وحاكمت اناس من خارج تلك المؤسسة، فتذكرك بعض الشيء بالمحاكم الحزبية الرفاقية الثورية في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية، حيث التطهير الحزبي بلغ قمته في المحاكم الستالينية وفي زمن الخمير الحمر في كمبوديا، حيث عدد الضحايا من الحزب وخارجه بلغ ذروته مئات الألآف فتراكمت الجماجم والرؤوس في تلك الاقبية المتوحشة. 

وهناك من القصص والحكايات في الساحات المستعجلة والمحاكم الصورية التي نفذت في رفاق الدرب دون منحهم حق الدفاع عن انفسهم، وتلك اجراءات قاسية تجاوزت الاعراف والقوانين المتفق عليها دوليا. ولا نحتاج للغوص عميقًا في الملف الواسع الغني بالقتل والاغتيالات والسجن والتعذيب وانواع الحظر والتضييق والملاحقة التي ارتكبتها حكومة الملالي اولاً بتشكيل تلك المحاكم الدينية وثانيا بتكوين فرق «وجماعات سرية» مهمتها تنفيذ تلك الاجراءات القسرية على رجال الدين المخالفين لرجال دين ينتمون لامبراطورية الظل ويديرون اموالها وكوادرها ومنظماتها ومليشياتها. فكيف نبعت تلك المحاكم ولماذا تجاوزت حدود صلاحياتها وكيف نجحت في اخفاء ملفات وطمس قضايا بينة بعد تحقيقات فاضحة خرجت وتسربت الى عالم الصحافة والاعلام وحديث المجتمع المدني؟. 

محاكم التفتيش الايرانية تناسلت وتشعبت وقد كتب الكثير من الباحثين عن مهمات ووظيفة هذه المحاكم بقولهم «إن امضى سلاح يمتلكه خامئني في صراعه مع المعارضة من رجال الدين الشيعة الذين يستمرون في إنكاره مرجعًا للتقليد هو المحكمة الخاصة برجال الدين». تلك المحكمة ترأسها وزير الاستخبارات السابق حجة الاسلام محمد محمدي ريشهري حتى نهاية عام 1998 ثم أنابه بعده حجة الاسلام غلام حسين إجئي، وجاءت تلك المحكمة على اعقاب إعدام مهدي هاشمي واثنين من الزملاء المقربين لآية الله العظمى منتظري في حادثة فضيحة ايران – كونترا فقد انشئت المحكمة لكي لا يتكرر ما حدث مع مهدي هاشمي، غير ان الدم والاغتيالات والمحاكمات تواصلت بنفس النهج والروح مع كوكبة واسعة من رجالات الدين تارة ومع رجالات مدنيين تارة اخرى. 

لم تكن يد هاشمي قبل إعدامه نظيفة من قتل رفاقه حتى في زمن الشاه بتهمة انهم موالين له وكان هاشمي يتمتع ويحظى بحماية منتظري، ففي ابريل 1976 قتل مهدي هاشمي حجة الاسلام ابو الحسن موسوي شمس آبادي بدم بارد والذريعة إنه من «علماء البلاط» هذا الزعم تكرر على مدى عقود وظلت الخناجر واساليب التسميم مستمرة في حوزة قم وخارجها من المدن الايرانية. وكما نقول خبز خبزتيه إكليه، سيصبح مصير هاشمي على يد رفاقه ومحاكمة رجال دين اخرين من تيار اليمين التقليدي في بنية السلطة وصراعاتها المعقدة المتشابكة، والتي سنحاول تسليط الضوء عليها من الداخل وإن كان بصورة عاجلة كاستشهادات حية موثقة دمغتها حقائق الحياة. 

خناجر الظلام والعباءات السوداء والرمادية تفننت في مهماتها بجدارة وتدريب مهني استخباراتي تجيد فيه كيفية التخلص من الخصوم خاصة خصومها من رجالات دين مثلهم واصدقاء قريبين لهم في العقيدة وشركاء معهم قبل الثورة وابانها وبعدها، غير أن مصيرهم كان مؤلمًا لمجرد انهم رفعوا عقيرتهم امام تسلط المرشد الاعلى وخالفوه في الرأي والمنهج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها