النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

بدلاً من الكتب قليلة القيمة.. باهظة الثمن

رابط مختصر
العدد 10193 الإثنين 6 مارس 2017 الموافق 7 جمادى الآخرة 1438

الخلاصة المفيدة التي انتهى إليها، كل الذين شاركوا من الناشرين أو تابعوا من القرّاء فعاليات الدورة الثامنة والأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، التي انتهت منذ أسبوعين، تقول بأن هناك تناسبًا عكسيًا بين الزيادة الكبيرة وغير المسبوقة في عدد المواطنين الذين زاروا المعرض، حتى وصل عددهم إلى خمسة ملايين زائر، وبين الانخفاض المخيف في عدد نسخ الكتب المباعة بالقياس إلى ما كان يحدث في الدورات الماضية، وأن رواد المعرض اكتفوا باستعراض عناوين الكتب، ثم إعادتها إلى مكانها من ساحة العرض، لعجزهم عن شرائها، بسبب الارتفاع المذهل في أثمانها.

وهي خلاصة أكدت النبوءة المتشائمة، التي تقول بأن عصر الكتاب الورقي قد أوشك على الانتهاء، وأن هذا النوع من الكتب سوف ينتهي إلى المصير نفسه الذي تتعرض له كثير من الصحف العالمية والعربية العريقة، فيلقى مصرعه كما لقيت، بعد أن اضطرت - في مواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج وانصراف القراء والعجز عن المنافسة - إلى إغلاق أبوابها، أو التحول إلى مواقع إلكترونية، فيتحول الكتاب الورقي المطبوع إلى «كتاب إلكتروني»، وينتقل بذلك من أيدي القراء إلى دور الآثار، كما حدث من قبل للكتاب المخطوط.

وسط بشائر تحقق هذه النبوءة المتشائمة، توقفت أمام الانصراف عن القراءة كأحد أهم الأسباب التي تهدد الكتاب الورقي بهذا المصير المفجع، الذي يهدد كذلك الكتاب الإلكتروني، ما لم نسع لترسيخ عادة القراءة وقيمة الثقافة لدى أجيالنا القادمة، وذكرني ذلك بالدور الذي لعبته سلاسل الكتب الشهرية العربية، في اجتذاب جيلنا إلى عالم القراءة وترسيخ الثقافة كقيمة لدينا.. وكان مما دفعني إلى شيء من التفاؤل، أن واحدة من هذه السلاسل اختارت أن تحتفل بمرور 66 عامًا على صدورها بانتظام ضمن فعاليات الدورة الثامنة والأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وأن الثانية اختارت المناسبة ذاتها لكي تستأنف صدورها بعد توقف استمر سنوات.

في أواخر أربعينات وأوائل خمسينيات القرن الماضي، بدأت دور الصحف المصرية الكبيرة، تضيف إلى نشاطها في إصدار الصحف والمجلات، نشر سلاسل من الكتب الثقافية تصدر بشكل دوري مرة كل شهر، باسم ثابت، وقطع لا يتغير وعدد محدد من الصفحات لا تتجاوزه، وثمن متواضع لا يتجاوز عشرة قروش.. وكانت أولها هي «دار الهلال» التي أصدرت سلسلة بعنوان «روايات الهلال» بدأتها بإعادة نشر سلسلة روايات تاريخ الإسلام التي كتبها مؤسسها «جورجي زيدان» وبعد أن انتهت من نشرها، تحولت إلى سلسلة لترجمة «روائع الأدب العالمي» أتاحت لجيلنا أن يقرأ ترجمات لأعمال «بلزاك» و«دستوفسكي» و«تولستوي» و«اسكندر ديماس» بثمن زهيد بدأ بستة قروش، وفيما بعد أضافت «دار الهلال» إلى هذه السلسلة، أخرى بعنوان كتاب «الهلال» كانت تجمع بين الترجمة والتأليف، وبين الدراسات التاريخية والفكرية والنفسية والتراجم الذاتية، ونشرت أعمالاً لكُتاب كبار مثل «عباس محمود العقاد» و«بنت الشاطئ» و«محمد عبده».. ولا تزال هاتان السلسلتان تواصلان الصدور حتى اليوم.

وسرعان ما لحقت جريدة «المصرى» - وكانت إحدى أهم الصحف اليومية المصرية - بدار الهلال، فأصدرت سلسلة «كتب للجميع» وكانت تتخذ شعارًا لها «كتب قيمة بقروش زهيدة» وتباع بخمسة قروش، وتتنوع أعدادها بين مجموعات القصص والدراسات الاجتماعية والاقتصادية وكتب الرحلات والمذكرات السياسية وغيرها، فأصدرت كتبًا لـ «طه حسين» و«سلامة موسى» و«فكري أباظة» و«د. محمد حسين هيكل»، وقدمت الأعمال القصصية الأولى لكل من «سعد مكاوي» و«إحسان عبدالقدوس» و«أمين يوسف غراب» وترجمات لـ «ثروت عكاشة».. وبعد إغلاق جريدة «المصري» - 1954 - انتقلت هذه السلسلة من الكتب إلى «دار التحرير» - التي أنشأتها ثورة يوليو - وظلت تصدر لعدة سنوات، إلى أن تقرر تحويلها إلى مجلة حملت الاسم نفسه، ثم غيرته إلى «الكاتب».

وفي عام 1951 دخلت «دار أخبار اليوم» إلى حلبة المنافسة على إصدار سلاسل الكتب الشهرية، فأصدرت «كتاب اليوم» الذي جمع بين نشر الكتب السياسية والقصص والمسرحيات وبين أعمال «علي أمين» و«مصطفى أمين» و«توفيق الحكيم» و«فتحي رضوان» وقد احتفل - بمناسبة معرض القاهرة للكتاب هذا العام مرور 66 سنة على صدوره.. وفي نهاية الخمسينات أصدرت «أخبار اليوم» سلسلة أخرى بعنوان «قصة اليوم» خصصتها لنشر ترجمات من القصص الأمريكية، لكنها لم تستمر طويلاً.

وفي العالم التالي - 1952 - دخلت «دار روزاليوسف» إلى حلبة المنافسة بنشر سلسلة «الكتاب الذهبي» التى كان يصدرها نادي القصة، وهو منتدى لكُتاب القصة والرواية كان يرأسه «د. طه حسين» ويضم عددًا ممن يمارسون هذا الفن من أجيال مختلفة، وعلى صفحاتها عرف القارئ العربي على نطاق واسع أسماء عدد من الروائيين وكُتاب القصة القصيرة، لمعت أسماؤهم فيما بعد حين نشرت السلسلة أعمالهم الأولى ومن بينهم «يوسف الشاروني» و«يوسف إدريس» و«عبدالرحمن الشرقاوي» وسلطت الضوء على غيرهم ممن كانوا ينشرون أعمالهم على نطاق محدود، من أبرزهم «نجيب محفوظ» و«عبدالحميد جودة السحار» و«عبدالحليم عبدالله» و«على أحمد باكثير»، وأصدرت كذلك سلسلة للكتب السياسية بعنوان «كتاب روزاليوسف»... وفيما بعد ناءت الدار بالخسائر التي تلحقها بسبب المغامرة بنشر أعمال الأدباء الشبان في سلسلة «الكتاب الذهبي» فاعتذرت لنادي القصة، الذي ترك لها اسم السلسلة وأصدر سلسلة أخرى بعنوان «الكتاب الفضي» بالتعاون مع ناشر آخر، ثم ما لبثت أن توقفت، وتعثر «الكتاب الذهبي»، إلى أن قررت المؤسسة إعادة إصداره بمناسبة انعقاد الدورة الثامنة والأربعين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.

وهكذا تعددت سلاسل الكتب التي تصدرها المؤسسات الصحفية المصرية، ثم ما لبثت دور النشر المملوكة للدولة أن أصدرت مجموعة من السلاسل كان من أبزرها سلسلة «روائع المسرح العالمي» التي ترجمت إلى العربية عددًا من أهم المسرحيات العالمية، و«أعلام العرب» التي ترجمت لسير عشرات من أعلام العرب في كل المجالات، وكل البلاد، وكل العصور.. وهو دور لعبته باقتدار دور النشر الحكومية في عدد من الأقطار العربية الأخرى، كان من أبرزها سوريا والعراق وليبيا والكويت ودول الخليج العربي.

وإلى هذه السلاسل يعود الفضل في ترسيخ عادة القراءة لدى أجيال من العرب، كان من بينها جيلنا، الذي كان يقتني أعدادها بانتظام، وبصرف النظر عن مدى حظ كاتبها من الشهرة، ثقة منه بأن هيئات تحريرها سوف تحسن الاختيار، ولأنها في مجموعها تشكل ما يشبه دائرة معارف تتناول كل الجوانب التى تشبع حاجته الثقافية، والأهم من هذا وذاك أنها كانت في مجملها كتب قيمة بقروش زهيدة!

أما وقد تغيرت الدنيا، وأصبحت أثمان سلاسل الكتب الشهرية تباع بالجنيهات بعد أن كانت تباع بالقروش، مما جعل اقتناءها فوق قدرة الطبقات المتوسطة والراغبة في المعرفة على شرائها، فقد آن الأوان، لكي تتدخل الحكومات العربية لكي تتولى تمويل هذا النوع من سلاسل الكتب التي تعوِّد المواطن العربي على القراءة، بدلاً من أن ينفرد بسوق القراءة هؤلاء الذين يبحثون عن كتب قليلة القيمة.. باهظة الثمن!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها