النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

الإشكالية التاريخية لمفهوم الشهيد 5 /‏‏ 5

الشهيد من القداسة الدينية إلى الأيقونة السياسية

رابط مختصر
العدد 10193 الإثنين 6 مارس 2017 الموافق 7 جمادى الآخرة 1438

*الانتحاريون الإرهابيون.

من خلال قراءتنا لمعنى الشهيد قاموسيًا وتاريخيًا واصطلاحيًا، حيث الشهيد لابد من ان يقتله طرف آخر فهو لا يقتل نفسه، ووجدنا كيف كانت حالة اليابان، حيث يقتل الطيار نفسه ولكن وفق ظروف معركة محددة، لا يكون فيها المدنيون ضحايا ذلك الانتحار، بينما الانتحاريون الارهابيون الجدد لا يهتمون من هو الطرف الذي يمكن تدميره، نساء، أطفال، عزل في بيوت الله، في أمكنة عامة وأفراح، كل هذا في عرفهم وتفسيرهم نمط من الشهادة، ومن يقومون بها هم شهداء في اعلى مراتب الجنة، لهذا يستنسخون تجارب فرقة الحشاشين وفرق الغلاة في التاريخ الاسلامي، بمستوى أكثر بشاعة وعدوانية، لتصبح فرقهم وشيعهم ومنظماتهم المعاصرة وجهًا آخر للارهاب الجديد، وكل ما عملوه هو استبدال الخنجر بالحزام الناسف والسيف بالمفخخات، متوهمين ان تلك العمليات كفيلة بتغيير الانظمة او إسقاطها، وبجذب شباب غر لصفوفهم لإعلاء كلمة الله في الارض بعد نيله مرتبة الشهادة. 

يقفز سؤال آخير يطرح نفسه هل نحن أمام غسيل دماغ الشباب والفتيان بخديعة تاريخية مقدسة بمنحهم لقب الشهيد بعد الانتحار أو بالمغامرة السياسية كورطة مخترعة من الكبار للصغار نتيجة غياب الوعي؟

*الطفل الشهيد يموت باسمًا.

هل يستحق العالم لطمة حضارية عندما يدفع الوطن او الساسة بالاطفال لحافة الموت لكي يتغنوا على شهادتهم؟!! هل نرفع قبعاتنا احترامًا لجندي مدجج بالسلاح يصوب بندقيته على طفل كل سلاحه حجارة؟ هل نغفر لمليشيات تجند الاطفال لمعارك قتال ثم تبكي على موتهم كشهداء وضحايا وأبطال؟ وبدلاً من ان يكون ذلك الطفل في مدرسته وحدائق اللعب والأحلام، يتم زجه في جيوش المرتزقة الجديدة، لكي يمنحوه اكذوبتهم بأنه اصبح مقاتلاً وبطلاً وغدًا يكون شهيدًا في الجنة. ألسنا في زمن يدعو للسخرية تنتهك فيه الطفولة باسم تلك الاوسمة والالقاب والتصنيفات، في وقت جميعنا بحاجة لحماية أطفالنا من الموت لانهم جاؤوا للحياة من أجل المستقبل والفرح والسعادة. 

كم هو موجع أن تحمل أمٌ فلسطينية او غيرها من الأمهات طفلها الغريق او المضرج بدمه، لنسمع بعدها قصائد البطولة والمجد، التي تموت في اليوم الثاني داخل جاكيتة الشاعر الثمل بالهزيمة من داخله. لا أجدني سعيدًا بلقب الشهيد تمنح كوسام للطفل، لكنني مجبر على تقبل حقيقتها المرة كتعويض للمأساة. ولدت لكي أكون شهيدًا، نص يبعث على المرارة ننقشه على قبر الشهداء الأطفال. 

*النساء في خط الشهادة.

لا يمكننا إحصاء عدد وأسماء الشهيدات من النساء لحقبة تاريخية طويلة، ولكننا سنختار نماذج لتسليط الضوء على حقيقة أن المرأة مثل الرجل كانت في مقدمة المانحات أرواحهن للتضحية، لتجترح المرأة البطولة من أجل عقيدتها وفكرها ومبادئها. 

تعتبر سمية بنت الخياط كصحابية جليلة كأول شهيدة في الاسلام وأول من سبعة يشهرون إسلامهم رغم التحديات والصعوبات لكل من يدخل الدعوة وهي في بدايتها، لتقدم درسا للرجال قبل النساء، وعن ان الدعوة المحمدية فتحت للنساء طريقًا للشهادة كشريك في الجهاد والدعوة.

أما جان دارك، الشابة «جان الفرنسية» ذات التسعة عشر ربيعًا، قديسة جاءت من زمن مختلف في تربة فرنسية، وكان عليها ان تموت بالنار للدفاع عن افكارها ومواقفها لتبرهن عن كونها ثائرة متمردة من اجل الحرية. سلمت جان الى الانجليز مقابل المال وحوكمت بتهمة «العصيان والزندقة» ثم أعدمت في عام 1431 حرقا بتهمة الهرطقة. بعد 25 سنة من إعدامها قضت لجنة مختصة من الكنيسة ببراءتها من التهمة، التي وجهت اليها وأعلنتها بناء على ذلك شهيدة ثم بالغت الكنيسة في عام 1920 لتعتبرها قديسة !. ولكن قبلها بعام سيقذف في النهر في العاصمة برلين رجال البوليس بعد التعذيب جسم روزا لوكسيمبورغ البولندية في يناير سنة 1919، فقد شكلت مع الالماني كارل ليبكنخت في 1915 رابطة الاسبارتكيين، والتي تحولت الى الحزب الشيوعي الالماني، ووقفت بقوة ضد الحرب العالمية الاولى، التي خاضتها بلادها وقادت روزا الانتفاضة والثورة الالمانية من اجل تغيير نظام الحكم تيمنًا بالثورة البلشفية، وفيما بعد طبقا لمكتب الاتحاد لحماية الدستور اعتبرهما شهيدين. 

ثلاثة نماذج إنسانية يعقبها ملف كبير من شهيدات نساء العالم في كل القارات، متن بوسائل مختلفة وفي ظروف غامضة، لتسطر النساء حضورهن التاريخي في عالم الشهادة، تشكل الشهيدات العربيات في مقدمة نساء العالم اليوم من حيث اللحظة التاريخية.

*الشهيد في الأدب والثقافة.

التحولات من الموت الى القداسة حضور ثقافي بارز، والمريدون يصنعون القديس وعبادة الفرد، ولكن النص الأدبي في سرده الشعري والروائي، يخلده المبدعون، والمفارقة حينما يصبح ليس النص تعبيرًا عن الشهيد والشهادة، وإنما الشاعر والكاتب نفسه مشروعًا بحد ذاته للاغتيال والتعذيب والموت، وكثير منهم وقفوا عند حافة الشهادة وشرفة الموت، وكتبوا أجمل نصوصهم مثل ريتسوس وناظم حكمت، بينما لوركا ونيرودا باتوا رموزًا في الشهادة، وتحول مغني تشيلي فكتور خارا في انقلاب تشيلي 1973 شهيدًا بحنجرة غناء أبدي، وستظل مرثية محمود درويش في الطفل محمد الدرة تستصرخنا، كما مكث يانيس ريستوس القابع ثماني سنوات في جزر نائية وتحت التعذيب يكتب أشعاره السرية، لتتحول الى غناء في البيوت والحانات تتلقفها الحناجر وتحفظها الذاكرة الشعبية اليونانية، وقد كتب ريتسوس: «لقد خرجت من أحلك الظلمات. خرجت حيًا من الامراض، ومن جلسات التعذيب. ويمكنني القول إنني خرجت من أغوار الموت» ويكتب في قصيدة اخرى «إذا كان الموت هنا، فهو يأتي ثانيًا، الحرية دومًا تأتي أولاً» فيذكرنا ريستوس بعذابات ناظم حكمت الخمسة عشر عاما في سجون تركيا وكيف نجا باعجوبة، حكمت الذي قال عنه بابلو نيرودا «المثل الحي للبطولة، وللرقة في آن». 

كلهم حملوا أكفانهم واستعدوا للموت والشهادة في الدفاع عن مثلهم وافكارهم، ولكن نال بعضهم وسام «الشهادة» دون رغبته في الموت وشجاعته في المواجهة، ولكن نصوصه عن الموت والقتل والتعذيب في لحظة تجلياتها الابداعية الممكنة تجعل من المثقف /‏ البطل شهيدًا بالفعل. وأخيرًا تبقى قصيدة الشاعر السوداني الفيتوري عن إعدام الشهيد عبدالخالق محجوب مفردات صلاة طقوسية وصوفية، بتلك الروائح والبخور الافريقية: «صوتك بيرق وجهك.. قبرك، لا تحفروا لي قبرًا سأرقد في كل شبر من الارض، أرقد كالماء في جسد النيل.. أرقد كالشمس في حقول بلادي مثلي أنا ليس يسكن قبرًا». يموت الطاغية ولا يترك أثرًا ولكن الشهيد يعيش حيًا في افكاره وقضيته، والأعمق حين يكتبها الشاعر الشيطان، فهو وحده من يخلد ويكتب التاريخ إبداعًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها