النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

قراءة في خطبتي جمعة

رابط مختصر
العدد 10190 الجمعة 3 مارس 2017 الموافق 3 جمادى الآخرة 1438

أعرف أني لا آتي بجديد عندما أقول إن أهمية خطب منابر الجمعة تكمن في أنها سريعة النفاذ إلى الأسماع وإلى العقول في وقت واحد، وبشكل جماعي. فالخطيب يستطيع من خلال خطبته في هذا اليوم، الجمعة، أن يساهم في نشر قيم إيمانية وأخلاقية مرغوب فيها ومطلوبة، كما أنه قادر على نشر ما يضر المجتمع ويسهم في تدميره. هذه الأهمية يستغلها من يجمع بين الخطاب الديني والخطاب السياسي من خلال دس أفكار ومواقف سياسية وتطويعها مع الجمل الوعظية والقيم الدينية، وهنا مكمن الخطورة التي ينبغي التيقظ لها. وقد حفلت الساحة البحرينية بكثير من هؤلاء الخطباء وخصوصًا في الفترة التي أعقبت أحداث الدوار عام 2011. فمن يومها صار منبر الجمعة هو المنبر السياسي الأول الذي تحشد له جماعات الإسلام السياسي من كل المذاهب الجماهير، وقد تنامى في أوساط أتباع المذهبين المهيئين لذلك السلوك الطائفي عقب تلك الأحداث، وتصاعدت الشحناء واختفت قيمة التسامح، وهي واحدة من أهم القيم المدنية التي انبنى وفقها المعمار الاجتماعي البحريني.

 الخطاب الديني في البحرين مشكلته أنه حشر نفسه في السياسة، وصار اليوم في حاجة ماسة وعاجلة إلى المراجعة والتقييم. الشيخ عبدالله الغريفي أحد المتعاطين للخطاب الديني الموشى في كل حين بالمواقف السياسية المنحازة في وضوح شديد إلى جماعات الدوار، قال ذات ندوة «إن الخطاب الديني في البحرين بحاجة إلى التجديد، والنقد الذاتي ومشكلتنا أننا غلبنا الجانب السياسي على باقي الجوانب الفكرية الثقافية والعقائدية». ويبدو لي أن هذا القول، على نحو ما، نوع من النقد الذاتي، ذلك أننا حين نتتبع خطاباته وأقواله وبياناته التي استخرجها أو أسهم فيها نجدها لا تبعد قيد أنملة عن الطابع السياسي، رغم أننا نقر له باتجاهه إلى تخفيف لهجة الخطاب صوب التهدئة في خطبه الأخيرة قياسًا إلى ما كانت عليه قبل سنتين. ولهذا فإننا سنتناول في عجالة، بحسب ما تتيحه لنا هذه المساحة، خطبتين ليومي جمعة متتاليين رقمهما موقعه الإلكتروني على الإنترنت 461 و462.

 الشيخ الغريفي يخاطب سامعيه في لغة جذابة مشحونة بالعاطفة لا ليقول لهم ما ينبغي عليهم أن يفعلوا إزاء الأعمال الإرهابية التي يمارسها جزء لا يتجزأ من جمهور الدوار، وإنما ليتحفهم بدعوتهم إلى الصبر مبشرًا بـ «أن مع العسر يسرا»، أي أنه يحفزهم إلى أن يصبروا ويصابروا وكأن الدولة مقبلة على تقديم تنازلات أمام إصرارهم على عمل العنف، وهو من الذكاء بحيث لا يبدو هذا القول صريحًا. ففي خطبته رقم 461، يقول الشيخ: «فمهما ضاقت الأحوال، وتعقدت الظروف، فالثقة بالله (عز وجل) لا تسمح لنا أن نسقط في اليأس». شخصيًا لا أفهم من هكذا قول إلا أنه دعوة جلية إلى الاستمرار في أعمال العنف، إذ أني أرى في ذلك ما أسميته آنفًا تطويعًا جليًا للديني في خدمة السياسي.

 وفي منطقة أخرى من الخطبة نفسها، وتحت عنوان أول من عناوينها التي قال إنها مناخات في داخل الأوطان يبحث فيها كيف لها أن تتعافى نجده يدعو إلى «إنهاء كل القضايا التي تؤزم المناخات»، كلام كهذا يجعلنا نبحث عن القضايا المؤزمة، فلا نكاد نعثر إلا على إرهاب يتجلى من هنا وهناك بين الفينة والأخرى تخريبًا للمرفق العام وترويعًا للآمنين واعتداء صريحًا على القانون، وفي ظني لا يمكن لعاقل أن يرى في الإرهاب وجهة نظر ليعتبره ردة فعل مشروعة إزاء إشكال ما في الحياة السياسية أيًا كانت زاوية النظر التي يباشر بها ما يستجد على الساحة البحرينية.

 يشير الشيخ الغريفي إلى ما أسماه باستهداف رموز الطائفة، في غمز جلي ناحية عيسى قاسم. هذا الذي سميته «رمزًا» خلط في شكل مخيف الفعل الديني بالسياسي، وكان سببًا لتفجير الأعمال الإرهابية عندما أطلق دعوته «اسحقوه». ثم، بربك، هل تعرضت الدولة قط إلى رجل دين يمارس خطابه الديني الواعظ؟! ومهما بلغت درجة رمزية عيسى قاسم لديك فإن القانون يخبرنا أنه مهما حصل هذا الإنسان أو ذاك من درجة علمية فإنه والآخرين على درجة واحدة أمام القانون، وأن عصمة المرء أمام القانون لا تكون إلا بالابتعاد عما جرمه القانون وحظره حفظًا للصالح العام وحماية لحياة الأفراد وممتلكاتهم.

 إجمالاً، يطلب الشيخ الغريفي في هذه الخطبة من الدولة أن تقدم تنازلات، أو ما يمكن أن نسميه شروطًا لتستجيب جماعات الدوار إلى التهدئة وترضى بالدخول في حوار سياسي مع الدولة. وهذا المطلب يأتي بواسطة «مناخه» الخامس والقاضي بـ «توفير الأجواء الحرة لممارسة العمل السياسي الراشد». يقول الشيخ الغريفي في ذلك إن «من أسباب التأزيم للمناخات السياسية (غياب، أو تغييب) الرموز الراشدة، والفاعلة، والقادرة على حماية هذه المناخات». الحقيقة كأني بالشيخ يحكي حكايته هذه لمجتمع غير المجتمع البحريني الذي عانى ما عاناه مع هذه «الرموز». فهل من رفع شعار إسقاط النظام، ودعا إلى تأسيس جمهورية إسلامية يعتبرون «رموزًا راشدة»، أم أنها رموز عار وهزيمة وهتك لمقومات الروح الوطنية؟!

 أما في خطبته الثانية رقم 462، فإن الشيخ الغريفي يعود إلى التذكير مرة أخرى بـ «مناخاته» الستة، ويسميها هنا «ضرورات»، مؤكدًا على أهميتها في فتح مسار جديد في تعامل الدولة مع الحراك الطائفي المتواصل منذ ست سنوات. والحقيقة أني لم أعثر على شيء مفيد في هذه الخطبة غير أنها تضمنت مقارنات بين مواقف أربعة حول كيفية التعاطي مع الأوضاع الراهنة وما يشوبها من أخطاء. أجواء هذه الخطبة تهويمات فلسفية تدفعني إلى الشك في قدرة سامعيه من بسطاء القوم على فهم ما جاء فيها. وعلى منوال الخطبة التي سبقتها، يزين الشيخ الغريفي أفعالاً لم نلمسها نحن المواطنين سلوكًا من أهل الدوار. والحال أنه ينبغي أن يطال الشيخ بالنقد الإعلام الكاذب الذي ساند الحراك الطائفي، كما كان يجب، في سياق هذه الخطبة، أن يدين من سولت له نفسه الاتصال بالأجنبي لإلحاق الأذى بوطنه، بالإضافة إلى مستخدمي السلاح ومهربيه ومخزنيه. 

 الخطأ يا سيد عبدالله الغريفي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار. جماعة الدوار أرادت إسقاط الدولة وإقامة جمهوريتها الإسلامية وفشلت في ذلك -ولله الحمد- فشلاً ذريعًا، وحان الوقت للاعتراف بذلك من دون سفسطات وفذلكات تخريجية لهذا الفشل، ومن دون تهويمات فلسفية تخرج الباطل في ثوب الحق وتجعل الحكومة التي أوقفت الانقلاب وأفشلت موجة الخراب مخطئة في عدم تلبية رغبات من أجرموا في حق الوطن. ليس على جماعة الدوار ومن ناصرهم أو نظر لهم إلا أن تعترف بأخطائها وتمارس بلغة السياسة نقدها الذاتي عساها تعود إلى رشدها فتصحح مساراتها وتمارس دورها السياسي البناء في كنف علوية القانون، وليس على ممتهني تزييف الحقائق وقلبها إلا اتقاء الله في هذا الوطن وذلك أضعف الإيمان إذا ما أرادوا فعلاً صلاحًا لهذا الوطن. أما الخطاب الديني اليوم، وإذا أمعن أصحابه الخوض في السياسة، فليس عليه -إذا ما أراد أجر النصيحة- إلا أن يقدم النصح والإرشاد لمن يلاحقهم العار بالتآمر على الدولة والمجتمع البحريني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها