النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

بلاء وأي بلاء التمويل الأجنبي للعمل السياسي والحقوقي!

رابط مختصر
العدد 10188 الأربعاء 1 مارس 2017 الموافق 2 جمادى الآخرة 1438

إن القانون يسمح للجمعيات الأهلية بتلقي الدعم المالي او العيني من الداخل او الخارج، بعد الترخيص بذلك من الجهة المختصة، وذلك وفقا لجاء في المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2013 بشأن تنظيم جمع المال للأغراض العامة، وفي ضوء قرار رقم (47) لسنة 2014 بإصدار اللائحة التنفيذية للذات المرسوم، بشأن تنظيم جمع المال للأغراض العامة، مع وجود إجراءات واضحة لتلقي الأموال من الخارج وإرسالها.
****
أن يسمح القانون نفسه بالتمويل الخارجي للجمعيات السياسية ولمؤسسات المجتمع المدني فتلك مصيبة، ما بعدها مصيبة، وبلاء ما بعده بلاء. لأن الأصل في تمويل الجمعيات سياسية وغير سياسية هو الدولة والمجتمع المحلي (أي المنخرطون في الجمعيات والتبرعات المقدمة من الافراد او المؤسسات الوطنية).
ولأن أصل كل تدخل، وكل بلاء هو في التمويل الأجنبي لمن يمارس النشاط الحزبي السياسي او النشاط الديني الموجه لأغراض سياسية او طائفية او النشاط الحقوقي، لأن من يمول تلك الأنشطة من الخارج يمتلك أن يؤثر فيها وأن يوجهها، يستثنى من ذلك الدولة الوطنية، لأنها عندما تمول الجمعيات (سياسية او غير سياسية)، فإنها تفعل ذلك من باب التمويل العمومي الشفاف والمعلن والمحدد في ميزانية الدولة، مثلما تمول المدارس والمستشفيات، فالتمويل العمومي هو لخدمة عامة لا أكثر ولا أقل. أما الأصل الثاني للتمويل فهو المجتمع المحلي (أي المنخرطون في هذه الجمعيات من المتطوعين او المناضلين، والمتبرعون من الرأس مال الوطني) ضمن التعويل على قيم التطوع والمشاركة الوطنية، بعكس التمويل الخارجي الذي هو هدم للروح الجماعية التي هي دعامة مجتمعاتنا، ونسيجها القيمي والروحي، وهي نفس القيم التي كانت محركًا لمقاومة الاستعمار والنضال السياسي من أجل التحرر والديمقراطية وحقوق الإنسان الحقيقية.
قد نتفهم أن تتبرع جهة دولية إلى جمعية الحراك بكراس لذوي الإعاقة العضوية، أو بأجهزة سمع لجمعية فاقدي السمع، أو بأجهزة حاسوب وطابعات بلغة بريل لفاقدي البصر، قد نفهم ونتفهم السماح بتبرعات - تحت أنظار وموافقة أجهزة الدولة - للجمعيات التي تمارس دورًا إنسانيًا، وتقدم خدمات لذوي الإعاقات او لفاقدي السند، لكن أن تقدم الجهات الأجنبية (بعضها مجرد ستار لأجهزة مخابرات أجنبية مركبة ومتداخلة ومعقدة الحركة والعمل)، فتلك غفلة منا وسوء تقدير وتدبير. الأصل في الأمور انه وعندما ترخص الدولة لجمعية ما يجب أن يكون مع الترخيص استعداد الدولة لتمويل نشاطها، أو تثبت الجمعية أنها قادرة على توفير الموارد المالية الوطنية المشروعة لتمويل هذا النشاط، ولا يعقل أن تسمح أي دولة تحرص على حفظ امنها، وعلى استقرارها وقطع الطريق على عمل القوى الاجنبية التي تعمل على ضرب هذا الأمن أو شق صفها الوطني، بأي تمويل، مهما كان نوعه ومهما كان يتظاهر بالبراءة، وان يقتصر هذا التمويل على الجانب الإنساني وحده ضمن أفق التضامن بين بني البشر وتحت رقابة الدولة الوطنية.
إن التمويل الدولي - في اتجاهه الأغلب - أصبح أقرب الى آلية للتجسس، تهدف إلى تتبع مواقف الفاعلين داخل الدول من سياسات الدول الغربية، ذلك أن أهداف الممولين الأجانب - وإن كانت تتقاطع مع أهداف المنظمات المحلية في بعض الأحيان - تنطوي على مخاطر كبيرة، من أهمها استغلال الممولين للأنشطة لتتبع تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدول، واستغلالها اقتصاديا وسياسيا، بما في ذلك تجنيد العملاء، وبشكل يضر بالمصلحة الوطنية في الغالب الأعم، ولذلك لا يمكن ولا يعقل ان يمول الخارج الداخل - باستثناء ما يتعلق بالبعد التضامني الإنساني الواضح الذي لا يلبس فيه وتحت رقابة الدولة - دون أن يحقق الخارج من وراء ذلك اختراقا للبلاد، ودون أن يكون له تأثير مباشر أو غير مباشر على التوجهات داخل هذا البلد أو ذلك، ودون تحقيق مصلحة أجنبية أكيدة مهما كانت ملتبسة ومغطاة بضروب الزينة والتغليف. وان تتعود المنظمات الأهلية المحلية على هذا النوع من التمويل الأجنبي السخي والمشبوه -بما في ذلك تمويل السفرات والتأشيرات والإقامات بدرجة سائح متجول في العواصم العالمية، بالإضافة إلى المكرمات والمنح الدراسية وغيرها-فذلك ترويض لها على خدمة المصالح الأجنبية تحت عناوين براقة. بل الأخطر من ذلك أن عددًا مهمًا من منظمات المجتمع المدني لم تعد تؤطر المواطنين في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، استنادًا إلى قواها الداخلية الوطنية، ولا إلى بناء القدرات الوطنية في هذا المجال، بل أصبحت تؤطرهم في كيفية الحصول عن التمويل الأجنبي، وجلب المال والامتيازات والسفرات مدفوعة الاجر، مما حول قسمًا من المجتمع المدني من قوة وطنية نقدية إلى إطار لصرف الأموال الأجنبية، ويكفي هنا ان نلاحظ جحافل من السياسيين والحقوقيين، وهم يتجولون عبر العالم على حساب التمويل الأجنبي، دون الحاجة هنا إلى أية استنتاجات بهذا الخصوص.
إن التمويل الأجنبي ينطوي على مخاطر استراتيجية، لأنه في الغالب مشروط ويرتبط بأجندات لا يمكن في أغلب الأحيان أن تكون خيرة أو لله في سبيل الله، هذا شأن التمويل الأجنبي في جانبه الرسمي المعلن، فما بالك بالتمويل الأجنبي الملتبس المتخفي في شكل عطايا وهدايا وتذاكر وإقامات مفتوحة لأفراد أو جماعات محسوبين على مؤسسات المجتمع المدني.
صحيح أن تمويل مؤسسات المجتمع المدني أمر ضروري وحيوي، لأجل تطور الحياة الديمقراطية، وتعزيز حقوق الإنسان، وإشراك المجتمع في الرقابة والمساءلة، بل ويجب أن نطالب بتعزيز هذا التمويل وزيادته، ولكنه يجب أن يظل واجبًا على الدولة، تتحمله المجموعة الوطنية دون غيرها.

همس
على الحافة قبل الرحيل،
احتوتني اللامبالاة،
لم يعدْ يرعبني الفقد،
ماتت اللهفة لحظة انتظار الثامنة،
اختفت المسافة في المسافة،
ما عدتُ أخاف الكذب المفتون بنفسه،
ولا تثيرني قبرة البحر التائهة،
لم يعدْ يهتف بقلبي ذاك الوجد القديم
خوفًا من الوجد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها