النسخة الورقية
العدد 11058 الجمعة 19 يوليو 2019 الموافق 16 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

وداعًا «أم الحورة» سيدة المشموم والياسمين

رابط مختصر
العدد 10186 الإثنين 27 فبراير 2017 الموافق 30 جمادى الأولى 1438

لم يفارقنا شعور قط أن فاطمة أميرة الرازجي والمحبة في الحي ستغادرنا في أية لحظة، بعد أن بدأ الوقت ينخر في الجسد والذاكرة، وان الموت قادم لا محالة وعلى اجندته ملاك «الموت» يجوب الأمكنة لينتشل من الحياة الواحد تلو الآخر.. وحين يطرق بابنا نحو الرحيل الاخير لا يمنحنا برهة واحدة للتأخير، هكذا ندرك حكمة «حان أجلك!» ونحن في تلك اللحظة، ليس بإمكاننا ترتيب كل أوراق الرحيل.
ظلت فاطمة أمنًا جميعًا في الحي وهي تجول ببصرها في سقف وأركان غرفتها وفي وجوه أولادها وأحفادها، تتفقدهم الواحد تلو الآخر، تسأل بشكل خاطف عن اسماء من يخطرون على ذاكرتها تلك اللحظة وكأنها مسؤولة عن حياة كل واحد منا، بعد جولتها المضنية فوق سرير الانتظار المحزن، تستعيد أيامها البعيدة وهي في رحلة الذهاب والإياب اليومي للسوق، تستنفر ذاكرتها بقوة لتنفض غبار أزقة الحي الذي طرقت كل أبوابه، لبيوت الحي ونسائه وهن ينتظرنها بقفتها السعفية، ها قد جاءت سيدة الياسمين من السوق تحمل طلباتهن جميعًا، فهذا الخميس ستزدان مريم من الرازجي الذي شكته لها يد فاطمة، خاطته كما تخيط بنيلوبا حنين الانتظار لسفر اوديسيوس بعيدًا في عرض البحر، نسوة الحي في هذا الخميس سيشترين المشموم والياسيمن، فليلة الحورة رقص وفرح وزفن وزغاريد، فشريفة قد جائها عريس من المحرق، والبخور سيملأ حوش البيت الكبير ورائحة الورد سيضوع في غرفه وسقوفه، ببركة تلك المرأة الكادحة النبيلة، التي كانت تنش مع الغبش، فمع خيوط الفجر الأولى تكون فاطمة قد عادت بصيدها الثمين من السوق فكل ما في قفتها طازج مبتل بندى الصباح الباكر. وفي حين الرجال ما زالوا يخرجون لأعمالهم ومن نعاس ملابسهم، تكون فاطمة قد عادت لتوها من جولة السوق، فلكل انثى يومها عشقها للمشموم ولعطر رازجي كالحلم لم يعلق في ضفيرتهن.
كان شريط الذكريات يسحبها نحو الماضي الجميل، تتنفسه كل لحظة على سريرها، فهناك عاشت فتوتها وشبابها ونصيبها وتعبها وكدحها من أجل ثمانية اطفال تركهم المرحوم امانة في عنقها، تستذكر كم ارهقتها تلك البقرة والحوش والصبية والسنوات العجاف، ولكنها ظلت سعيدة صامتة بكل ذلك التعب، هكذا في الأسابيع الأخيرة عاشت تقاوم بروحها ما لا يمكننا مقاومته، الاستعداد لجبروت الموت الذي يدنو من جفوننا، ظلت تستيقظ قليلاً ثم تعود للغياب المؤقت لنوم عميق طويل، وكلما فتحت عينيها وشاهدت من حولها طوق الحب قفزت الى تلك العين المجهدة الشاحبة لحظة فرح وسعادة كونية، فرح لا يمكننا معايشته واستبداله او حتى تغييره وفهمه.
كانت مفارقة قريبة قبل موتها بأيام فقد سألت أحد أبنائها كيف حال الوالدة، وكالعادة ظل يحمل قطعة من أمه، فأجابني تسأل عنك وعن محمد، تنتظركما، كان يفكر عنها ويخترع الحكايات لها لعلنا حين نزورها نمنحها سعادة صغيرة عابرة، كان يتحسس قلب أمه ويدرك كم هي كانت متعلقة بصبيان الحي وبناتها مرتبطة بالنساء بيتًا بيتًا، والكل كان ينتظر دخلتها من ابواب بيوتهم المشرعة مع دلة الصباح وتمرها والحوش برائحة البحر والصيادين وعمال بابكو.
في هذه الساعات من السؤال المضني كتب صديقي الشاعر المصري علاء عبدالمنعم على الفيس بوك ثمة كلمات من عصارة قلبه لأمه: «من قبل ما اجي الدنيا وأنا دمها دمي ولو الحياة لها صوت هايبقى صوت أمي» عندها كتبت له «لقد أدميت قلبي وماعاد ينزف فقد جف ذلك الدم وتخثر «فأجابني علاء بدماثته كان بودي ان اعتذر لك استاذ لكني اشعر انك بحاجة لمثل هذا الشجن وكيف لا والكلام عن أعز أعز الناس لذا لن أعتذر لكني أعتز بك».
توقفت برهة لصوت الأم لذلك الشجن الذي نحتاجه، لنماذج يحفرون في ذاكرتنا الوهج، كانت «سيدة الحورة البهية» منبع طفولتنا وشقوتنا ورفقتنا الطويلة، فقد كبر من كبر ومات من مات وتوالت اجيال لنحكي لهم قصص تلك المرأة التي عاشت بين ثلاثة بيوت اعتبرتها بيتا لها تحتضنهم بنفس ذلك القدر من الحب، كان بيت الألفة بيتها وهي تكد وتكدح من أجله، لتربية صبية حملتهم كعبء ثقيل يفوق طاقتها كصبية، لكنها تحملت تلك المعاناة بتوزيع ابتسامة دافئة للجميع، ولم نكن ندرك كم من الالم تختزن تلك المرأة بثمانية أطفال، لقد عاشت فاطمة كأم كادحة وماتت كأم رؤوم، يفيض من بين جناحيها بلبل ربيعي يغرد، كما احتفظت فاطمة لحبها الثاني وبيتها الآخر «النادي العربي» ذلك البيت الذي كانت تغزل له من ياسمينها ومشمومها قلادات خضراء وبيضاء تعلقها على فتيانه وهم عائدون من نصر الملاعب، يومها كل الحورة كانت فرحة بانتصار النادي، غير ان ذلك الحب كله، لم يعادل حب تلك المرأة للنادي، حينما كانت تنتظر عودة الباص وهو يمر من أزقة الحي في طريقه للنادي، لحظتها تمطرنا بتلك الورود والازهار، رغم ان ذلك هو جزء من دخلها ومصدر معيشتها، لكن الفرح في قلب فاطمة أم الحورة لا تسعيرة له في حساباتها.
أما بيتها الثالث فقد كانت الحورة كلها، ذلك المكان الذي تقطنه ويقطنها، فكل الابواب بدت باب بيتها وحوشه، ظل الجميع يشعر بحب مميز لتلك الإنسانة، وما فرح حوش العصريات ولا قهوة الضحى ممكنا بدون ضحكتها ومرحها وحضورها، ولم تكن تجلس سيدة المشموم والياسمين في بيوت الحي بأكثر من عشر دقائق فالبيوت الأخرى تنتظرها بفارق الصبر، تنتظر تلك القفة وأسرارها، وحكايات فاطمة عن كل النوافذ المفتوحة والمغلقة، لثرثرة نساء حي الحورة كعبق للمحبة وطراوة الذاكرة. يحمل القلب لها أحزانه المثقلة فيما تبقى لي من عمر، فكيف لي أن أزور الحورة بدون أن أجد فاطمة بظلها وياسمينها الفواح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها