النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

اشتغال الصورة الجاهزة.. تحولات لا إنسانية في الفضاء الغربي!

رابط مختصر
العدد 10186 الإثنين 27 فبراير 2017 الموافق 30 جمادى الأولى 1438

أصبحت المدن الأوروبية تصيبني بالأسى، بقدر ما كانت تبهجني في السابق، فكل شيء يتغير فيها، فالتوتر هو سيد الموقف، ففي كل مرة أزور فيها عاصمة من هذه العواصم، أصبحت أشعر بهذا التوتر يسري الى نفس، وكان في السابق عصيًا، فالناس كانوا كمن أنجز رسالته تجاه الحياة وانتهى من كل شيء، وتفرغ للاستمتاع بالحياة، أما اليوم فقد أصبح الوضع مختلفًا: الإجراءات، نظرات الناس، التوجس القلق والخوف...
لا ألوم على أخوتي في الإنسانية المهدورة، ولا تزعجني الإجراءات الإضافية، فأمن الانسان في أي مكان يتقدم عن كل شيء ولكن ليس على الإنسانية. فما حدث في مدنهم خلال السنوات القليلة من توحش وعدوان، غير المفاهيم والمشاعر وردود الأفعال، ولكن يبدو ان شعوري مرده الرئيسي أنني القادم على غير أهله، وإنني - في عمق الأعماق- عربي مسلم، ولأنني كذلك فقد أصبح اشتغال الصورة الجاهزة أقوى من أي شيء آخر في داخلي وفي دواخلهم، بما في ذلك الإنسانية.
فهذا الشعور الذي يتخلل مسام الروح والنفس والذاكرة واللغة، يجتاح فضاء الآخر وينتقل اليه إحساس بالخطر لمجرد ان في ثنايا الاسم الثلاثي او الرباعي ما يحيل الى فضاء العرب او الإسلام، ولعل مشكلة القاموس اللغوي الذي اعتدنا على استخدامه بشكل عفوي بات يثير مخاوف البعض مثل علامات الخطر في إشارات المرور، وأقصد هنا القاموس المشتق من لغتنا المغموسة في المعاني والقيم الدينية والتي ترافقنا في كل مكان في كل قول نقول وإن كنا من عتاة العلمانيين، فإذا أصبحت وأنا في هذا الفضاء: في حديقة في مقهى او في مطعم او حتى في مقعد في الميترو او في القطار او الطائرة، وأنا أجلس او أنهض او أغادر او أرد على مكالمة، فإن الخطاب يتلون عادة بما يتكرر من عبارات جاهزة، مسكونة في عمق اللغة من نوع: باسم الله، الحمد لله، بإذن الله، إن شاء الله، يا الله، يا ربي، الأمر لله، السلام عليكم وعليكم السلام، بالله عليك، صلي على النبي،،،، فمجرد صدور هذه العبارات، أصبح يشيع الذعر عند البعض، او التوجس على الأقل، فما بالك إذا اجتمع الى ذلك صوت الأذان الذي قد ينطلق فجأة من هاتفك الجوال 5 مرات في اليوم على سبيل المثال.
إنها لحظة الغربة في الفضاء الآخر، غربة الوهم الذي يبني جدران الارتياب بيني وبين الانسان الذي تجمعني به الإنسانية، والإنسانية سوف تظل مع ذلك جنسيتي وجنسيته..

دعاء الغريب
الحمد لله العظيم خالق الأكوان على نعمه الكبرى علينا وعلى ما منحنا من فسيح الأراضي والسماوات. وجعل الأرض تضيق بهم وعليهم والسماء لا تفتح أبوابها في وجوههم. الحمد الله على أننا نشأنا في الدنيا من فاقدي السند، نمشي في الأرض على أقدامنا دون عكاكيز ولا مثبتات للشعر ولا كريمات لشد الوجه، ولا فيتامينات أو مقويات للجسم، في حين جعلهم يمشون في الأرض هونًا، مسلحين بجميع أنواع المهدئات والمنشطات، يتلقفون مياه الأوزون. نشكر الله خالق الأكوان على نعمه الكبرى التي لا تحصى، بأن مهد لنا السبيل في أرضه دون شروط مسبقة أو معايير غير إنسانيتنا، وجعلنا نمشي في الأرض على مهل، دون الحاجة إلى تجاوز طابور الواقفين تحت الشمس، وأن جعلهم من القافزين فوق الحواجز العالية، متجاوزين قواعد العبور والمرور وقيم الطابور..
الحمد لله الخالق العظيم العادل المهيمن الجبار، أن جعلنا ضمن عباده الصالحين، ومهد لنا الطريق منارة بفوانيس معلقة السماء، وسخر لنا الملائكة تحف عند الحل والترحال برعاية الرحمن، تحمينا من قطاع الطرق، وحوادث المرور، وتشغل عنا عواء الذئاب. ونشكر الله خالق السماء والأرض والإنسان أن سرحنا أحرارًا في الفلاة، من دون حاجة لآلات متحركة. يا من لا شريك لك، يا من خصصتنا بلغة الوحي الأخير، وبقبسات من نور علمك... نشكرك في الصباح والعشي أنك منحتنا الحرية هدية والعروبة هوية. اللهم لا تخرب بيوتهم، ولا تغلق طريقهم، ولا تكب زيوتهم، ولا تدل اللصوص على أموالهم المكنوزة، ولا على حساباتهم «المتروسة»، وانصر اللهم العابرين تحت شمسك، العابرين الطريق حفاة، من دون جوازات. اللهم عولم حياتهم ومماتهم ومشاعرهم وذواتهم، قبل مماتهم، وخوصص كشوفتهم واكشف حسابهم، وحبب إليهم سكن الجدران العالية وأنبت زرعًا في وادينا. اللهم لا تحرمهم من ملذات العصر، وهبهم من الخيرات من دون عد أو حصر. اللهم لا تزعج منامهم بالكوابيس، وبأوجاع الضمير، واكشف أسرارهم في الكواليس، وعر حقائقهم للبعيد والقريب، ولا تعطرهم اللهم بروائح الفراديس..

الغريب من كان في غربته غريبًا
«هذا وصف غريب نأى عن وطن بني بالماء والطين، وبعد عن آلاف له عهدهم الخشونة واللين، ولعله عاقرهم الكأس بين الغدران والرياض، واجتلى بعينيه محاسن الحدق المراض، ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب، والانقراض، فأين أنت عن غريب قد طالت غربته في وطنه، وقل حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟! وأين أنت عن غريب ليس له سبيل إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان؟ قد علاه الشحوب وهو في كن، وغلبه الحزن حتى صار كأنه شن إن نطق نطق حزنان منقطعًا، وإن سكت سكت حيران مرتدعًا، وإن قرب قرب خاضعًا، وإن بعد بعد خاشعًا، وإن ظهر ظهر ذليلاً، وإن توارى توارى عليلاً، وإن طلب طلب واليأس غالب عليه، وإن أمسك أمسك والبلاء قاصد إليه! (...) لا يتمنى إلا على بعض من بني جنسه، حتى يفضي إليهم بكامنات نفسه، ويتعلل برؤية طلعته، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته... يا هذا الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، ودل عنوانه على الفتنة عقيب الفتنة... الغريب من إن حضر كان غائبًا، وإن غاب كان حاضرًا، الغريب من إن رأيته لم تعرفه، وإن لم تره تستعرفه، أما سمعت القائل حين قال: بم التعلل لا أهل ولا وطن …. ولا نديم ولا أهل ولا سكن !!».
 أبو حيان التوحيدي - من كتابه (الإشارات الإلهية والأنفاس الروحانية).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها