النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الإشكالية التاريخية لمفهوم الشهيد 3 /‏‏ 5

الشهيد من القداسة الدينية إلى الأيقونة السياسية

رابط مختصر
العدد 10182 الخميس 23 فبراير 2017 الموافق 26 جمادى الأولى 1438

* الشهيد والبُعد الديني 

مع دخول البشرية في مرحلة الأديان السماوية، تعاقب وتطور المفهوم الديني لمفردة الشهيد، وستهتم تلك الديانات الثلاثة بمفردة الشهيد، فعلى سبيل المثال لم يكن في «القاموس العربي» في الجاهلية كلمة شهيد، فهي من نتاج الديانة الجديدة في المجتمع القرشي، التي بدأت تواجه ديانات سابقة واوثان جاهلية قديمة، بل وباتت الرسالة المحمدية والنبي بذاته، مستهدفًا قتله واغتياله، ومشروع شهادة محتملة وممكنة، نتيجة تربص كفار قريش له، لذا جاءت الهجرة للحبشة، كما لم يكن حادثة غار حراء، إلا حكمة ربانية انقذت النبي بمعجزة سماوية، ولكن تلك الرسالة والتبشير بها والدعوة اليها ستقدم شهداء اوائل منهم نساء ورجال من اجل نشر الاسلام في الارض، كما سيقف العبراني عيسى المسيح امام قومه اليهود مبشرًا بديانته الجديدة، لتصبح الشهادة بالصلب اول نمط من التعذيب، ويتحول المسيح كشهيد الى ايقونة مقدسة، ولتتحول الآلام التي عاناها خلاصًا بشريًا ونموذجًا للتضحية في سبيل رسالته في الارض.

سيعقب النموذجين والرسالتين، أتباع وشيع وقديسون كطابور من الشهداء على مدى الزمن، قاتلوا وماتوا وقتلوا تحت عسف التعذيب وما بدلوا تبديلاً. غير ان البعد الديني وصيغته على مدى الوقت تم تحريفه على يد الغلاة في كل الديانات والطوائف، وفتحوا نوافذ التفسير والاجتهادات الباطلة، كما هم نماذج فرقة الحشاشيين في الاسلام قديمًا والمنظمات الاسلامية المتطرفة بأصولها السلفية حديثا، لندخل في مأزق التشويه لحقيقة رسالة الأديان بخطها المعتدل. 

* البُعد السياسي لمصطلح الشهادة 

احتل البعد السياسي بعدًا ثانيًا بعد البعد الديني، لندخل تاريخيًا امام نمط من الشهداء قدموا أرواحهم إما لأفكارهم وعقائدهم أو لقضية الوطن كقضية سياسية مهمة. ولكن كيف يمكننا ان نقاتل عن الوطن ونحن لا نعرف هويتنا الوطنية في مجتمعات ما قبل تطور الدولة والنظم السياسية والسيادة والحدود؟ ليصبح الوطن مقدسًا والدفاع عنه من الاعداء شهادة سامية، فقد كرّست الدول مع تطورها اوسمة وتقاليد انسانية من النصب التذكارية والجندي المجهول. 

هؤلاء شهداء عصر الدول الحديثة والثورات والحروب، سيمنحوننا أبطالاً جدد قارعوا المستعمر إبان حركات التحرر في العالم ضد الكولونياليات، ليمتزج دمهم بدم قضية تحرر الوطن. هؤلاء كنموذج للشهادة عنوان موتى وشهداء وابطال القضية الوطنية. 

ألم تستحق الجزائر وسام أرض المليون شهيد وعمر المختار بطلاً ليبيا اولاً وعربيًا ثانيًا وإسلاميًا أخيرًا؟ وهناك من الأمصار والثورات ما نعجز عن ذكره، فتكاد كل أمة وشعب تفخر بشهدائها «الأبرار»، مؤكدة الكلمة عن مضمونها وبعدها الديني. 

* ثنائية التناقض الأنا والآخر /‏ الحقيقة والإشكالية

عرفت الحروب القديمة بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت كحروب دينية والحروب بين البلدان الاسلامية، كحروب المذاهب والطوائف في البلد الواحد /‏ الوطن، هؤلاء كانت امامهم حقائق ملموسة على الأرض والواقع، فمن يتقاتلون ينتمون للديانات نفسها، سواء المسيحية أو الاسلام، والموتى بين المتقاتلين من الدين الواحد، تقفز أمامهم حقيقة واحدة تحتاج الى تفسير ديني واخلاقي، هل موتاهم شهداء كموتانا؟ وسواء حلت الاشكالية بين الطرفين أو لم تحل، فتلك في النهاية على الصعيد العملي فرضت واقعًا، فيعتبر كل طرف متقاتل ان موتاه هم شهداء لقضيته العادلة، ومن ماتوا من الطرف العدو فإنهم أعداء مصيرهم نار جهنم وبؤس المصير. 

من تلك الاشكالية القديمة وتناقضاتها، وقعت كل الشعوب المعاصرة في حروبها الاهلية، وتطاحنها المستمر في نفس الحالة من الدعائية والتحريض والتناقض، فصراع اليمين واليسار في اليونان ولبنان او الجمهوريين والملكيين في الحرب الاهلية الاسبانية والمكسيكية وهناك من الامثلة الكثير، فيرون جميعهم ان ابطالهم شهداء ماتوا من اجل قضيتهم وافكارهم، وحمل كل شهيد في الواطن الواحد - وهم موتى!! - أوسمة مختلفة وتمجيد مختلف ومقابر منفصلة، فمن اعتبر هناك بطلاً كان لدى الآخر بمثابة الخائن والمرتد والعكس كذلك. تلك الاشكالية اليوم يتورّط فيها حزب الله في سوريا أو ميليشيات ايران في العراق او اليمن او سوريا، كلهم تحت مظلة فكرهم وعقيدتهم يرون انفسهم شهداء باستحقاق، والسخرية أنك تستلم «شهادة!» الشهادة والغفران والمكانة العليا في الفردوس. التصور والذهنية والاشكالية نفسها عاشها جنود العراق وإيران في حرب الثمان سنوات، وهناك ما لا يحصى لتلك الإشكالية بين الانا والاخر في ثنائية انتزاع الاعتراف بيننا، كمرتبة الشهادة ولقب الشهيد البطل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا