النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

غزوة قناة «الجديد»!!

رابط مختصر
العدد 10181 الأربعاء 22 فبراير 2017 الموافق 25 جمادى الأولى 1438

 تابعت، مشاهدة وقراءة، اقتحام مبنى قناة «الجديد» والاعتداء على بعض أفراد الطاقم الإعلامي فيها وتخريب محتوياتها من قبل من قيل إنهم محتجون تابعون سياسيًا لحركة أمل اللبنانية التي يرأسها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري. يعود سبب ذلك إلى اتهام هذه القناة بالإساءة إلى الإمام موسى الصدر من خلال برنامج «دمى - كراسي» الساخر في الأسبوع الماضي. شخصيًا لا أستبعد أن تكون عناصر من «حزب الله» قد قدمت العون اللازم للمحتجين المخربين بذريعة حفظ وحدة التيار الإسلامي «المقاوم»، إذ أن جماعات الإسلام السياسي المذهبية في مثل هذه الحالات تتحاشد وتتعاضد وتتكاتف ولا يهم أن تكون الديمقراطية هي المستهدفة، لأن - الديمقراطية - لم تكن يومًا سلوكًا من سلوكاتها ولا غاية من غاياتها.
 ما جرى لقناة الجديد يجعلنا نتأكد من لجوء تيارات الإسلام السياسي إلى السلاح نفسه والحجة عينها كلما استشعرت خطابًا مضادًا قد يمس من مصالحها الحيوية ويهدم بمعول العقل تماثيل الخرافة التي حجبوا بها عن الناس أنوار المعرفة، فتهمة الإساءة إلى الرموز الدينية جاهزة دائمًا لترفع كلما استدعت الحاجة ذلك، وفي هذه القضية كان الخطاب الإعلامي الساخر جريمة لا تغتفر؛ لأنه ضرب في العمق نزعة كهنوتية طلب بها جماعة «أمل» وأعضادهم من «حزب الله» إضفاء القداسة على موسى الصدر، وهو شخصية عامة لها ما لها وعليها ما عليها، شأنها في ذلك شأن كل متعامل في السياسة وفي الشأن العام.
 هذه النزعة - في تقديري - عنصر مهم من العناصر التي تقود بالاستتباع المنطقي إلى القول إن إقامة تماثيل المقدس رموزًا اعتبارية لا يجوز المساس بها أو نقدها أو التشكيك في صحة أفعالها وسلامتها شكل من أشكال الاغتيال الرمزي الممنهج للديمقراطية وما تقوم عليه من حرية الضمير والحق في الاختلاف في ظل مجتمع المواطنة ودولة القانون والمؤسسات، فالديمقراطية في عرف هؤلاء لا قيمة لها أمام أشخاص صنعت الآلة السياسية والدعائية والدينية منهم رموزًا مقدسة، ثم إنه من المعروف تاريخيًا أن الديمقراطية لم تكن يومًا - ولن تكون - نهجًا لهذه التيارات مهما علت أصوات أتباع هذه التيارات منادية بها خاصة في هذه الأيام. فالديمقراطية، بحسب ظنهم، باب واسع عليهم ولوجه للانقضاض على السلطة ليس إلا.  ما يثير الدهشة حقًا فيما جرى من وقائع هذا الحصار، هو التجاهل الإعلامي لهذا الاعتداء السافر على منبر إعلامي، حتى وإن كان هذا المنبر مصنفًا ضمن ما يسمى بـ «الإعلام المقاوم»، وعدم تسليط الضوء عليه من حيث أنه انتهاك لحرية التعبير، ونقض لكل المواثيق الدولية التي تدعو إلى احترام حرية الرأي، ذلك أن هذه الحادثة ولها أكثر من نسخة في جميع البلدان العربيية مؤشر هام على أن كل جماعات الإسلام السياسي تضيق بحرية التعبير إذا تعرضت قناعاتها إلى النقد، أو إذا تعرض أحد قادتها ورموزها إلى المساءلة والنقد، فنحن مع جماعة الإسلام السياسي في تعاملهم مع قادتهم ورموزهم نكاد نعايش صورًا لحال الكنيسة في القرون الوسطى حين كانت السلطة الدينية الدرع الحامي لكل الفاسدين مهما كانت الشرور التي يأتونها. ولنا فيما يتناهى إلى أسماعنا من جرائم التحيل وتبييض الأموال وغسيلها من قبل بعض «الرموز الدينية» خير شاهد على ما نقول، فحرمة المكانة الدينية أقوت هؤلاء الأشخاص، وزادت من ثم في إمكانيات تفشي الفساد في هذا المجال أو ذاك.
 ملابسات الاعتداء وأسبابه ليست دافعي الرئيسي لكتابة هذا المقال، فلهذه الغاية انبرى كتاب لبنانيون لتحليلها ومعالجتها، وإنما لأن لهذا الاعتداء تداعيات عل ذاكرتي البحرينية. فبمتابعي للحدث الذي يصفه كتاب لبنانيون بـ «الغزوة»، استحضرت مشهدًا بحرينيًا يعود تاريخه إلى بداية تبوأ مليكنا حمد، أطال الله عمره وأبقاه ذخرًا لهذا البلد مقاليد الحكم، عندما أعلن رجل الدين المسكون بالهوس المذهبي عقيل الموسوي أن للخميني مكانة في وجدانه مقدمة على مكانة بحريننا، وموقف كهذا يجعلنا، فضلاً عن دلالته على نزعة تقديس الأشخاص الفانين، لا نعجب اليوم من الدعم اللامتناهي الذي تحصل عليه الجماعات الإرهابية من إيران. نحن بالتأكيد نعرف أن الخميني على ما حظى به من سمعة خارجية ومن تبجيل في بلاده، يبقى رغم كل شيء شأنًا إيرانيًا يخص الإيرانيين أنفسهم، لكن أن يحول إلى رمز مقدس يسوس سلوك فئة ممن ألبست الديني بالسياسي ففي هذا حجة على أن ما تأتيه هذه الفئة مدعاة لطرح أكثر من سؤال خاصة إذا تعلق الأمر بالأمن والسلم الوطنيين.
 في ظني أن ذاك المشهد البئيس هو أول المشاهد التي بدأ فيها تنمر الإسلام السياسي على المؤسسات الديمقراطية الحديثة العهد التي تأسست مع بداية العهد الزاهر لجلالة الملك حمد حفظه الله. فبعد ذاك المشهد، وبالترتيب الزمني قبل أن نصل إلى عام 2011، ضجت الحياة الثقافية بمشاهد مماثلة، ويمكننا ذكر بعض منها مثل: رفض الكتلة الإسلامية في مجلس النواب لفعاليات مهرجان ربيع الثقافة في عام 2003، عندما تحاشدوا لتأليف لجنة برلمانية يكون لها حق الاعتراض على الأحداث والبرامج الثقافية. ثم تبعها الاعتراض على برنامج «الأخ الأكبر» في عام 2004، ومن ثم الوقوف ضد حفل الفنانة نانسي عجرم في العام ذاته على ما أتصور، وحملتهم الشعواء على عرض الفنانين اللبناني مرسال خليفة والبحريني قاسم حداد غنائية مجنون ليلى ربيع 2007 لينصبوا أنفسهم وقتها حراسًا لمعبد الفضيلة أمام جرأة الفن.
 لائحة غزوات الجماعة طويلة ولكنها كلها تشهد بطبيعة المنوال الثقافي الذي ينذرون به كل مجتمع يتهاون في الوقوف أمام المشروع التدميري لقوى الإسلام السياسي، وحرصهم على تقديس قادتهم جزء لا يتجزأ من خطط التمكن من رقاب الناس لإقامة سلطة موازية للرموز الاعتبارية المتوافق حولها وطنيًا، ولعل المشهد في قرية الدراز اليوم لدليل على ما يصبو إليه فرع من فروع الإسلام السياسي، فهو بتقديس صاحب دعوة السحق المشهورة، والعمل على جعل مقر إقامته منطقة عازلة بعيدة عن سلطان القانون يريد أن يؤسس دولة داخل الدولة نسخا لما يجري في لبنان التي بدأت أمورها تسير وفق إرادة «حزب الله».
 ثقافة الديمقراطية تتعاكس مع ثقافة تقديس الأفراد، وعلينا أن نختار بينهما، ذلك أن الجمع بين الثقافتين مستحيل، ويحيل، إذا ما تسم قسرًا، إلى صراع تكون إحدى صور هذا الصراع مثل الذي أحدثه فتيان حركة «أمل» و«حزب الله» في لبنان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها