النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

الجلوس على ربوة الانتظار دور الثقافة في تعزيز التجربة الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 10181 الأربعاء 22 فبراير 2017 الموافق 25 جمادى الأولى 1438

العلاقة بين (السياسي) و(الثقافي) تبدو أكثر العلاقات جدلية، باعتبار أن أي تغيير مجتمعي يظل رهين الخطاب الثقافي الذي يمهد له ويكرسه واقعًا لا مثالاً بعيد المنال، فإنه اليوم وبحكم التحول الذي يشهده المجتمع البحريني، وبحكم أهمية الرهان ووزن الشعار المرفوع (التحول الديمقراطي) تصبح الثقافة من العوامل الأساسية لترجمة هذا الشعار، وجعله واقعًا نهائيًا لا رجعه فيه، ذلك أن الديمقراطية - علاوة على أنها أسلوب للحكم - هي قبل كل شيء سلوك وممارسة اجتماعية يومية لا تنفصل عن فكر يقودها وتصور - شامل لمجمل قضايا الحياة - تستنير به.
ومن هنا، تكون أهمية حضور الثقافة - وهي الفعل القادر على الإحاطة وعلى التغلغل في النسيج الاجتماعي-في تلك الممارسة الاجتماعية والسياسة اليومية حتى لا تكون الديمقراطية قرارًا معلقًا في سماء المثال، بل سلوكًا ناتجًا عن وعي وحاجة بأن تكون الديمقراطية - مثلها مثل الحرية - هي المفردة الأساسية في حياتنا.
وإذا كنا نقر جميعا باستحالة فصل السياسي عن الثقافي حتى باسم الاستقلالية، فإننا نعي اليوم من جهة أخرى، ان لم يكن سيادة الثقافي على السياسي و(الاقتصادي) فعلى الأقل اعتبار (السياسي) للثقافي طاقة توجيه وخلق يقطع مع النزعة النفعية المباشرة والفجة، كممارسة شوهت الثقافي وأعاقت تطوره وحرمتنا ولمدة طويلة، من بروز أهرامات إبداعية تجسد حضورها عربيًا ودوليًا.
إننا مطالبون - اليوم - ثقافيًا بحماية المكاسب التي حققها المجتمع المدني الذي تهدده أطروحات سياسية طائفية تريد جره إلى الوراء واغتيال كل طاقة إبداع، هذه التيارات الرجعية قد تفلح في غياب مواجهة فكرية وثقافية جادة في تشويه الفكر والروح، بل يمكنها ابتلاع المجتمع، وإفراغ المشروع الديمقراطي من مضمونه وتكريس أنماط ثقافية سلبية، وبالتالي تقويض أي فرصة لنمو أي فكر خلاق يؤسس للحياة لا للموت.
وفي ظل هذه المتغيرات، وتحت راية هذا الشعار نعتقد أن مهمة صياغة البرنامج الديمقراطي لثقافتنا موكلة إلى جميع المثقفين - إضافة الى الهياكل الثقافية الرسمية والأهلية-، لأن الجلوس على ربوة الانتظار والاكتفاء بالفرجة هو أقرب إلى من يخون صيرورة الثقافة وتحول المجتمع.
ناصر الذي عرفته..
ورحل الأخ والصديق والأستاذ المربي والإداري الفذ ناصر محمد الشيخ عن دنيانا المليئة بالزيف والركض أمجاد زائفة بعد ان أدى رسالته كاملة تجاه وطنه وتجاه الأجيال التي لا تذكر اسم ناصر الشيخ إلا مقرونًا برسالة التربية والتعليم، بالكفاءة والعطاء والإخلاص، معلمًا واداريًا وقائدًا تربويًا من الدرجة الأولى.. رحل عن دنيا زائلة زائفة وترك أفضل الأثر.
عرفته منذ أكثر من 30 عامًا، مع نخبة مميزة من التربويين البحرينيين الأفذاذ، عاصرت عطاءه الكبير واللامحدود ووكنت شاهدا، كما عاصرت عطاء هذه النخبة المميزة من الذين مروا على التربية والتعليم، فتركوا أثرًا واضحًا، وذكرى جميلة في النفوس والقلوب والعقول. وخلال 15 سنة الأخيرة قبل تقاعده، كانت تجمعني به لقاءات شبه يومية، فأجده مسكونًا بقضايا التطوير، مؤمنًا بصدق بأن «مستقبل البحرين ومستقبل أبنائها يكمن في تطوير التعليم»، موقنًا أن بإمكان البحرين أن تحقق ما حققته سنغافورة في هذا المجال، مرددًا باستمرار: «كل شيء ممكن إذا ما توافرت الإرادة، والعمل الجاد والصبر».
كنت التقيه يوميًا - تقريبًا - في موقف السيارات في الصباح الباكر، باعتباره أول الواصلين، كما التقيه في الغالب الأعم في ذات المكان عند المغادرة، باعتباره آخر المغادرين (بين الرابعة والخامسة مساءً) وهو محمل بالعديد من الملفات، لينقل الهم التربوي الى مساحته الخاصة. لقد كان باختصار من طينة التربويين من ذوي الوزن الثقيل، له هيبة ورؤية وقدرة على اجتراح الحلول، ومعالجة ما يطرأ من عظائمها، دون عناء كبير، يمتلك من الخبرة والإرادة والمعرفة ما هو كفيل بتذليل الصعاب.
كان بيني وبينه «التقدير» و«التوقير» و«المحبة».. ولائحة طويلة من الصولات والجولات التربوية، وعشرات المقابلات الصحفية التي أجريتها معه، والعطش الدائم الى العمل المنتج المخلص. مشغول بهواجس لا حصر ولا عد.. يفكر في أكثر من مسألة في ذات الوقت، يد لا ترتجف ورؤية لا ترتبك ولا تتردد.
وعندما ألم به المرض المفاجئ، ترددت أكثر من أسبوع قبل ان اتصل به سائلاً، لأنني لم أتخيل أن ناصر (القوي - الأنيق - الجميل الحيوي...) يمكن أن يفتك به المرض، وعندما اتصلت، وشعر بأنني أغالب نفسي عن حزن ثقيل، رد بصوت خفيض: «الأمر بين يدي الله، علينا بالصبر والقبول بقضائه وقدره».!
إنه الموت يا صديقي.. نعلم أننا سنموت، ولكننا لا نشعر به إلا عند الاقتراب من حافته ندرك في أعماق أعماقنا أنه ينبغي ألا ينظر إليه كفعل دخيل، أو كتجربة غريبة تنزل بالإنسان يفنيه وتذيقه أهوال الألم عند الاحتضار، فالوجود صيرورة والموت حتمية، لذلك لا يخيفنا مطلقًا، هو حدث يدعم هذه الصيرورة، ولولاه لما كان الإنسان متجهًا بفكره وتطلعاته دائمًا إلى الأمام.
المشكلة (أننا نموت) وندري أننا نموت ونشعر به وراءها وجوارنا، يترصدنا، يحاصرنا بمكره، وفارق هائل بين أن نبحث في الموت بوصفه معنى عامًا مجردًا، وبين أن نبحث في (أننا سنموت لا محالة) فيصبح الأمر معاناة يعانيها المخلوق، فيكون القلق هو الموقف الذي يدرك فيه الإنسان قمة تلاشي ماهيته الإنسانية، كما يدرك مدى ضآلته وضياع موقفه في العالم..
هكذا غاب ناصر... قصة الموت المعتادة. وبالرغم من تواصلي المستمر معه إبان مرضه الذي لم يطل كثيرًا، وقع خبر وفاته على نفسي موقع الصاعقة. لم يحزنني الخبر فقط، بل أصابني بالشلل ليوم كامل. في ذاك اليوم الماطر، أمسكني ألم الغياب عن المشي وراء الجنازة. هذا الرجل «الكبير» يقضي فجأة، اسمًا مشتعلاً بنار قلبه الموجوع، «ميتة» أراحته ذات ليل بارد، من خطوات الألم الطويلة. نجم يتوارى دون ضجيج، تاركًا قلوبًا مفجوعة وعيونا دامعة. مضى حالمًا بغدٍ أفضل، بعد ان وجد «هجعته» الأخيرة. رحم الله ناصر، فقد كان أكبر من الحياة.
همس
في الموت يلتفت الصديق إلى الصديق، فلا يراه.
ولكنا لا نتوب عن الغياب، فلا نموت!
في الموت ينتبه الوجود إلى الفراغ.
في اليأس ننتبه إلى السخافة في الوجود.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها