النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الإشكالية التاريخية لمفهوم الشهيد 2 - 5

الشهيد من القداسة الدينية إلى الأيقونة السياسية

رابط مختصر
العدد 10179 الإثنين 20 فبراير 2017 الموافق 23 جمادى الأولى 1438

 * ما قبل الأديان والمعتقدات.

لم تعرف اللغات البدائية مفردة الشهيد في مجتمعات مغلقة متساكنة وقبائل بدائية تتقاتل من أجل الماء ورقعة الزرع ومن يموتون من كلا الطرفين في مجتمعات وثنية يشكلون قربانًا للآلهة، فالكلمة نتاج منطقي تاريخي لتطور المجتمعات التي صارت مجتمعات مدينية، تتصارع من أجل أمجاد تلك الامبراطوريات وجغرافية تلك الامبراطورية الشاسعة، حيث يصبح جنود وأبطال روما والاسكندر في نهاية المطاف، قربانًا للآلهة فإن تخليد الموتى في معارك الامبراطورية، يحتم خلق طقس وثني وإضفاء صفة التمجيد وتخليد البطل في تأبين مقدس، ذلك الميت في رحى الحرب بين المدن القديمة شكل الشهيد الاول المبجل في الإرث الإنساني القديم ما قبل مرحلة الديانات السماوية، تكون الاسطورة الإغريقية وغيرها من الاساطير الشعبية، التعبير الاول لاحترام الموتى في معارك من أجل مجد أثينا او إسبرطة او روما وقرطاج. 

 * الإغريق نموذجًا.

ليس كل موت شهادة لدى الإغريق، ولكن كل شهادة يكمن فيها الموت من أجل معركة وقضية نبيلة، قد تكون هي الأفكار التي حملها فلاسفة الإغريق في وجه مجتمعات، كان الجدل عن فكرة الآلهة والنظام والسلطة والفكر لها قداستها، وقد اعتبر الإغريق الاوائل أن «محاكمة سقراط» وقتله بالسم بتهمة تضليل وإفساد الشباب بمثابة أول شهادة، فقد مات سقراط بسبب «الاسئلة السقراطية» التي كانت تناقش العديد من المعتقدات والتقاليد المسلم بها، ومثار للخصوم والعداوات. واعتبرت واحدة من قضايا الاستشهاد المبكر لإعدام واغتيال الفكر في وجه طغاة أثينا بعد حياة بيركليس الذي منحه الامان، تلك البدايات السقراطية في الفلسفة، كانت منابتها على مشارف الحدود القريبة من البحر الأبيض المتوسط: يقول سقراط «إن الكتب تهترئ يا عزيزي أفلاطون. يجب الكتابة في نفوس البشر وقلوبهم بالحبر الازلي، وليس بالحبر الذي يجف كينبوع ماء ربيعي». 

كان سقراط معلم تربوي وأخلاقي وفلسفي لكل تراث الإغريق، الذي أقلق الاعداء الحقيقيون حين كان يردد: «لقد قضيت حياتي كلها في تعليم الناس ان يكونوا لطفاء وشرفاء، وألا يلهثوا وراء الترف والمناصب. وأهنت باستمرار، غير الشرفاء والمفسدين. ومقابل أعمالي هذه، لم أحصل على أحذية ذهبية، كما فعل ايمبيدوكلس، بل إني هجرت أملاكي بشكل نهائي». يا لعظمة تلك الشهادة التاريخية لشهيد الكلمة الحرة. لم يتوقف الشهداء ولم تتوقف المحاكمات، ويا للمفارقة العجيبة في التاريخ. 

 * المسافة بين الإيمان والبطولة

تميزت كل الدراسات التاريخية والحكايات المعاصرة، بإن ثنائية الإيمان والبطولة مهمة متلازمة، فحيث توجد عملية الإيمان العميق بالفكرة يقتضي ان تكون بطلاً في لحظة المواجهة حتى بدون ساحات بطولة، فقد تكون وحيدًا منسيًا في الأقبية، قد تكون بلا وسام في لحظة المواجهة، ولا تنتظر نتيجة إيمانك أوسمة قادمة، هكذا تبقى المسافة بينك وبين الموقف البطولي هو درجة عمق ذلك الإيمان، الذي حملته اولاً بمفردك، ثم جاء المريدون وكبرت كرة الثلج، وبعدهم كبر الطوفان. 

يصبح رأس يوحنا المعمدان وصلب المسيح ورأس الإمام الحسين قداسة مؤبدة لأيقونة الشهيد في عالم الديانات. 

* الفلكور الثقافي في عالم الشهادة.

عرفت الشعوب كيف تحترم أبطالها الذين لم يعودوا من الحروب، تركت لهم أكليل حول النصب التذكاري، أهازيج شعبية تتناقلها الألسن يومها، في تاريخ ضارب في القدم لم تكن هناك جندرمة تمنعك، وإنما فضاء حر ومفتوح من كل القبيلة والمدينة (polis) التي بعثتك للذود عنها فمت مضرجًا بدمك في الصحراء البعيدة، لم يعرفوا مفردة معنى طقوس الشهادة ولكنهم صنعوا حولها القرابين والأضحيات وصلاوات من التأبين المتوالي. علقوا رمحك وترسك وسيفك بكلمات مقدسة جليلة، ولكنهم لم يهتموا بالمفردة في قاموسهم، ثم جاء الوقت ليتحول الى لغة ومعنى وتضاريس اجتماعية للمتاجرة أحيانًا عند الساسة والأبطال المزيفون المرتجفون خوفًا من خوض المعارك المميتة. كنت وحدك تفتش عن الموت بشهادة البطل المنسي. لهذا ستصبح في تراثك حيًا عريسًا يزف في أغاني الأمهات النائحات، في ملابسهم المعلقة بالطيب انتظارًا بعودتك، ولكن الدم وحده كان رسالتك الوداعية. وبدلاً من البكاء حملتك الزغاريد حتى مثواك الأخير، وهناك في المقبرة يقف شاهدك، وسيسبق اسمك واسم عائلتك مفردة الشهيد كوسام بطولي لن يعوض قلب الأم من جراحاتها وزغردتها الكاذبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها