النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

قاسم حداد.. الجوائز تفتخر بكم..

«التمرين الأخير على موت في حياة لا تحتمل»!

رابط مختصر
العدد 10179 الإثنين 20 فبراير 2017 الموافق 23 جمادى الأولى 1438

غداة فوز الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد بجائزة «أبي القاسم الشابي للإبداع الأدبي» التي عاودت الاشتغال في تونس بدءًا من العام 2016 بعد توقف دام 6 سنوات، عن ديوانه «أيها الفحم يا سيدي» الصادر في 2015 من بين 111 عملاً شعريًا عربيًا تنافست على هذه الجائزة الرفيعة، كان قاسم يستعد لاستلام جائزة الشاعر محمد الثبيتي للإبداع في مدينة الطائف السعودية، والتي حصل عليها عن مجمل تجربته الشعرية ودوره الثقافي، بما يجعل الجوائز تتهاطل عليه، بالرغم من كونه قد توقف منذ سنوات عن ترشيح نفسه لأي منافسة، لأنه في تقديري أصبح خارج المنافسة أصلاً..

قاسم الذي أمضى عمره في الإخلاص إلى تجربته الشعرية الطليعية المديدة المفعمة بالألم والأمل والصدق، حفر طويلاً طريقه إلى الإبداع، رؤيةً ولغةً وإنتاجًا ومكابدةً، ليس من المستغرب أن يتوالى حصوله على الجوائز او (حصول الجوائز عليه) إن صح التعبير: من جائزة سلطان العويس للشعر الأكثر شهرة في الوطن العربي، إلى جائزة أبي القاسم الشابي الأكثر شهرة في عالم الإبداع الأدبي، بقيمتها المعنوية، باعتبارها شهادة إضافية بالتميز والتفرد في الإبداع الشعري، وتتويجًا لتجربة شعرية تحتل مرتبة بارزة في حركة الشعر العربي المعاصر. ولذلك فإن قاسم الشاعر المكابد لتجربته إلى حد يشبه التصوف في إخلاصه وعمق رؤياه، وتجلياتها الفنية، يبدو كمن بلغ أقصى ما يمكن أن يبلغه الشاعر المبدع من امتلاء، ولم تعد الجوائز في الحقيقة تضيف له شيئًا، بل هي التي تضيف من اسمه ومدونته قيمة ومصداقية لها.

فمن «البشارة» ومرورًا بقلب الحب، وخروج رأس الحسين من المدن الخائنة والدم الثاني والنهروان وانتماءات وشظايا والقيامة، وعزلة الملكات، ومجنون ليلى، ويمشي مخفورًا بالوعول، والجواشن وعلاج المسافة وقبر قاسم، والمستحيل الأزرق، والغزالة،.... ووصولاً الى «أيها الفحم يا سيدي»، بنى قاسم مدونته الشعرية، وكأنها فصول في رواية المكابدات التي لا تنتهي أبدًا. فكل نص شعري هو مجرد تمرين على معاندة الحياة، وتمرين على مخاتلة الموت والفناء. ومثلما قال عن نفسه معرفًا بهذا الكائن المكابد الأزلي: «لا يهدأ في مكان ولا يستوعبه شكل الحياة...».

لقد نجح قاسم حداد في تقديري في أمرين، ميزا تجربته الشعرية: الأول: الانتقال من وضوح القول وتلازم النص الشعري مع الغاية الأيديولوجية المحملة بالإيقاع السياسي - الاجتماعي للمراحل المثقلة بالتطلعات والآلام، إلى ترقيق اللغة، والعلو بها إلى درجات فوق البوح، بتوليد عوالم يختلط فيها الأسطوري بالفردوسي بالجحيمي بالشخصي بالجماعي، الثاني: أن مجمل تجربته الشعرية مغموسة في الحب حتى الثمالة، بالحزن والصدق والشوق والعشق والهشاشة والطفولة والموت، ولعل الحب وحده هو ما يبقيه حيًا ويبقيه شاعرًا. ولذلك عندما يتحدث قاسم حداد عن نفسه، يكتب أبدع النصوص عن نفسه باستخدام تقنية التبعيد، كأنه ينجز حفريات سيرته الذاتية، ومع أنه لم يكتب بعد هذه السيرة التي تشبهه كما وعد، فإن هذا النص البديع قد كشف جانبًا عجيبًا من هذه الشخصية التي اسمها قاسم حداد: «... أعرف أن عالم الأدب يستدعي قدرًا من الاطمئنان والسكينة، أو على الأقل الثقة بالنفس. لكن هذا شخص لا يهدأ في مكان ولا يستوعبه شكل الحياة، مثل مجنون أعمى يبحث في غرفة مظلمة عن شمس ليست موجودة. لا يطمئن لجهة ولا يستقر في إقليم وليس له ثقة فيما يكتب. يسمي ما ينجزه من كتابة: التمرين الأخير على موت في حياة لا تحتمل. فهو في كل يوم وأمام أية تجربة جديدة يبدو كأنه يكتب للمرة الأولى والأخيرة في آن واحد. جسد يرتعش مثل طفل مذعور مقبل على الوحش. كثيرًا ما تركته وحده في الغرفة مريضًا يوشك على الموت، وعندما أعود إليه في اليوم التالي، يضع أمامي النص ويجلس مثل شحاذ ينتظر ردة فعلي. ينتحب كأنه الميت يرثي نفسه. وما إن أقول له الكلمة، حتى يستعيد صحته ويقفز مثل العفريت، مستعدًا للحياة كأنه يولد توًا لا، أعرف حقًا من أين تأتيه القدرة على كتابة الشعر، وهو في مثل هذه الحالة من اللا أمن. طرحت عليه مرة هذا السؤال، فنظر لي بغضب وقال: المطمئن لا يكتب شعرًا، إنه لا يخاف من شيء ولا تصيبه الرجفة الداخلية العصية عن التفسير. إنني أكتب الشعر لأنني خائف وفي خطر دائم. الشعر فقط يحميني من العالم. أنت لا تعرف ذلك، لأنك لن تشعر بفقد شيء مفقود، فكر في الانتحار غير مرة، لكنه لم يجد الوقت لتنفيذه. هذا ما يزعمه. أعرف أنه أجبن من أن يفعل ذلك. فهو لا يجرؤ على الحياة، فكيف على الموت، (..) تخيلوا شخصًا ينهض من النوم ليجد نفسه موجودًا في هيئة شخص منتحر. إنني لا أحتمل هذه الفكرة. لكنني لا أجد فكاكًا من هذا القرين الذي يعبث بي ويزعم أنني هو هذا هو قاسم حداد.. تقريبًا..».

 

همس

كغزالٍ كنت أتطاير في الحدائق

أغمس ريشتي في بنفسج عينيك، وأكتب

لم يكنْ للشعر موعد.

من أهداب أصابعك تبدأ كل المواعيد

وفي صهيل الغيوم الضائعة على صدرك

تتحول نمنماتي إلى رسائل

وحينما أدخل كضوءٍ في ظلامك

تفرح الغابات والمرتفعات والجبال

حتى السماء تشرع في هطلها

فتسيل الوديان وتتحدث الجداول

ومن الصعب عندئذ أن نعرف

هل هو موت أم حياة...

 

قاسم حداد

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها