النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

فسحة من أجل الحرية.. التوقف عن اجتراح الحلول المزيفة

رابط مختصر
العدد 10174 الأربعاء 15 فبراير 2017 الموافق 18 جمادى الأولى 1438

من المعلوم أن الديني هو مجال العقيدة والإيمان وقواعد الشريعة والعبادات، والسياسي هو مجال المصالح العامة ونظم الحكم وإدارة شؤون الناس، وهو مجال النسبية، مجال الاجتهاد والصح والخطأ، ولذلك يوجد فرق كبير بين المفهومين اعتبارًا لأن الديني هو وحي ومبادئ مقررة بوضوح، عبر نص أو سنة صحيحة، أما السياسي فهو نظام وضعي بشري، يبقى المقام فيه مفتوحًا للاجتهاد والتعديل والتغيير والتراجع؛ لأنه دنيوي بما يحمله من الصواب والخطأ، فالأول مطلق والثاني نسبي، وعليه فإن الخلط في الشعار والدعاية بين البعدين يضر بالدين ويضر

بالسياسة على حد سواء... فالسياسة تتأثر بالعصبية والمصالح البرجماتية في المواقف وتحولاتها وتقلباتها وأهواء القيادات والأحزاب ومصالحها، ومصالح الفئات الاجتماعية التي تصطف وراءها، في حين أن الديني يتميز - أو يجب أن يتميز مبدئيا- بالثبات والمبدئية والتعالي على العصبيات والمصالح الفئوية، خاصة وان النص الديني يتميز بالثبات، وله مراجع محددة، بينما الموقف السياسي يتميز بالتحول والتغير إضافة إلى إقرار الاجتهاد والرأي فيه، خاصة فيما يتعلق بطريقة اختيار النظم السياسية وآليات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ومن هذا المنطلق نقول إن الجماعة السياسية، لا يمكن أن تكون ملة او نحلة في كتاب الملل والنحل، الجماعة السياسية لا يمكن أن تكون جماعة طائفية أو دينية مغلقة، تكون من بين معايير الانخراط فيها، معايير فقهية ومذهبية، ولذلك فرجل السياسة الحقيقي لا يمكن ان يتغطى بالدين؛ لأنه للجميع أو بالمذهب؛ لأنه للجماعة ولا يمكن أن يتنقل بين العمامة والبدلة الافرنجية (رمزًا وفكرًا) دون أن يشعر أنه يتجول بين عالمين لا يلتقيان. في الليل يخطب بلغة الطائفة وفي النهار يتحدث إلى البي بي سي بلغة الدولة المدنية الديمقراطية!

الحزب السياسي الحقيقي هو الذي لا يكون فيه ممثلون وكومباريس وديكورات من البلاستك الملون، ولا يكون فيه رجل مقدس يجلس وراء الستار يوجه بسحره الخاص عناصر الكومبارس وفريق الدمى المتحركة يحركهم من خلال خيوط مرئية أو لا مرئية!

والحزب السياسي لا يكون فيه من هو مقدس ومن هو منحط القيمة والمكانة، من هو تابع ومتبوع أو هو خط أحمر، لأن الخط الأحمر الوحيد في الدولة المدنية الديمقراطية هو القانون، فلذلك اذا كان هنالك من يستشعر انه مقدس او يقدم نفسه على هذا النحو او تقدمه جماعة الكومبارس على هذا الشكل، عليه أن يكون في المقدمة وأن يخرج من خيمة القداسة، بأن يترشح للبرلمان والبلدية وأن ينشغل بالهم اليومي للمواطنين، وأن يعلن برنامجه المدني الديمقراطي، عليه أن ينشغل بكل ما هو نسبي وترك المطلق لصاحب المطلق، لأن السياسي لا ينشغل إلا بما هو نسبي، ويتفاوض ويحاور ويمكن أن يتنازل عن شيء، ويتمسك بشيء آخر، ويبحث عن الحلول الواقعية الممكنة وفقًا لميزان القوى في اللحظة التاريخية، ولا يدفع بالناس الى الانتحار، مقابل الأوهام والوعد بالخلاص والأكاذيب.

الحزبي الحقيقي لا يعيش حالة من اللخبطة الفكرية الكبرى، مثلما هو الأمر عند معظم جماعات الإسلام السياسي، الأحزاب الدينية – الطائفية هي من تقود العنف الممنهج والتوحش والذي يعود إلى: روح الهيمنة وأحلام اليقظة والخوف والفزع من مواجهة التحولات الكاسحة التي يشهدها العالم على كافة الأصعدة.

وعليه فإن التوظيف السياسي للدين وتسخير الواجهة الدينية لخدمة الأهداف السياسية، يؤدي في الغالب إلى إجراء عملية انتقائية، تزيد من تشويش الأمور في أذهان الناس البسطاء، وبناء الالتباسات المعيقة للتنمية الصحيحة، القائمة أساسًا على الوعي العقلاني ومبادئ دولة القانون والحقوق والواجبات. لكن المشكلة عندنا تبدأ عندما يتم رسم صور افتراضية نمطية لمقدسات عديدة ولمقدسين عديدين (دونها الخطوط الحمراء)، ومنها ما يتم خلطه عمدًا في أذهان الناس: صورة رجل السياسة، بوصفه «مقدسًا» سياسيًا، وصورة رجل الدين، بوصفه «مقدسًا» دينيًا، وبناءً على نمطية هاتين الصورتين، يتصرف الجمهور حيال السياسي والديني معًا، فينتابه الخوف والرهبة منهما والاحساس بالخوف من المساس بالخطوط الحمراء الوهمية التي تصنعتها الدعاية الأيديولوجية الطائفية او السياسية. ويكشف واقع الحال أن عمليات شخصنة، واستلاب تجري للجمهور عندنا، كي يفتقد الناس إمكانية التعرف على السياسي والديني في واقعهما الاجتماعي وبكونهما من البشر الذي يجتهد ويخطئ ويصيب، أي في سياقيهما التاريخي والسياسي النسبي. وهكذا يتكرس الوهم والإيهام فيتم تحويل الجمهور إلى مجرد آلة تدار من خلال الشعارات الجاهزة التي تصنف الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين بالمعيار الديني، أو إلى صالحين وغير صالحين بالمعيار السياسي، في حين أن الديمقراطية تتناقض مع هذه التركيبة السائدة، فالذي يتصدى للعمل السياسي الحزبي، يجب أن يمتلك برنامجًا سياسيًا واضحًا، يجيب على الأسئلة الأساسية للتنمية، بما في ذلك التنمية السياسية، ويطرح حلولا واضحة وواقعية وقابلة للتنفيذ، كما أنه - حتى وإن كان رجل دين بأي معنى من المعاني واشتغل بالسياسة - يجب أن يكون قابلاً للمساءلة عن أفعاله وبرامجه ومقترحاته، حيث لا يحرم الفرد في مجتمعاتنا من حق السؤال والمساءلة والنقد؛ لأنها من أبسط حقوق المواطنة وحقوق الإنسان، التي أقرتها الأعراف الدولية والدساتير الوطنية.

إن المطلوب في الخلاصة هو تحرير الفضاء السياسي العام من سلطة رجال الدين ومن الخطاب الدين والتوقف عن توظيفه في هذا المجال، لأنه من المفروض أن الفضاء الديني يشتغل بآلياته الخاصة وبلغته في مجاله الخاص وفي فضاءاته العديدة المخصوصة والفضاء السياسي يجب أن يشتغل بآلياته الخاصة وبلغته وخطابه وضوابطه القانونية والدستورية، لأن السياسة براغماتية والواقع هو ما يتم من خلاله استخراج واجتراح الحلول، وليس من خلال الأوهام. 

 

همس

أضعنا السر في ثنايا الروح، 

غريبان بتنا ها هنا، 

في غربة البوح.

لو ركبنا الزورق المسافر مساء، 

لكنا لحقنا النجمة السابعة.

لكنا التقينا مرة أخرى، لحظة الابتراد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها