النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

أمة لا توحدها إلا المساخر

رابط مختصر
العدد 10172 الإثنين 13 فبراير 2017 الموافق 16 جمادى الأولى 1438

مع أنني لست من المهتمين بكرة القدم، ولا أقرأ -إلا نادرًا- الصفحات الكثيرة التي تخصصها لها الصحف، إلا أنني سرعان ما أجد نفسي غارقا في متابعة أنباء المباريات الإقليمية والدولية، التي تكون إحدى الدول العربية طرفًا فيها، باهتمام بالغ وبحماس منقطع النظير، على نحو يدفعني لحفظ جدول مواعيد المباريات، وترتيب الفرق المشاركة، وتشكيل كل منها، وموقع كل لاعب من الفريق، ومدى أهليته لشغل الموقع الذي اختاره له مديره الفني، فضلاً عن تحليلات وتعليقات النقاد.. يجرني إلى ذلك حماس كل المحيطين بي، من الحلاق إلى سائق التاكسي، ومن الوزير إلى الخفير، ومن حارس العقار إلى نادل المقهى، ومن أستاذ الجامعة إلى تلميذ المدرسة، ومن المفكر الاستراتيجي إلى الناشط السياسي، على نحو يشعرني بأنني سوف انفصل عن التواصل معهم، إذا لم أشاركهم هذا الاهتمام.
وعلى امتداد سنوات، وأنا أتابع الآراء التي يحاول أصحابها البحث عن تفسير مقنع للجماهيرية الكاسحة التي تتمتع بها كرة القدم -دون غيرها من الألعاب الرياضية ومن الأنشطة الإنسانية- لدى كل شعوب العالم، فلا أحب إلا تفسيرات متداخلة تجمع بين ما هو نفسي، وما هو اجتماعي، وما هو اقتصادي وما هو سياسي، ربما كان أكثرها شيوعا هو ما يذهب إليه المتخصصون في علم النفس الاجتماعي الذين يذهبون إلى أن الظواهر التي ترتبط بتشجيع كرة القدم، تنتمي إلى ما يسمونه «سيكولوجية الحشد» وهي حالة نفسية تتحكم في سلوك الكتل الكبيرة من الجماهير، حين تجتمع معًا، فتخلق فيما بينها، بشكل تلقائى حالة وجدانية مشتركة توحد فيما بينهما وتدفعهم إلى سلوك جمعي، يفقد معه كل فرد ذاتيته وتميزه عن الآخرين، لتقودهم جميعًا «عقلية القطيع»، التي تكون عادة عند مستوى أكثر المشاركين فيه عاطفية وانفعالاً، وأقلهم ذكاء، وأدناهم وعيًا.
ويذهب المهتمون بالسياسة من هؤلاء، إلى القول بأن تلقائية وعفوية الحشد الجماهيري، لا تحول بين الأنظمة السياسية وبين التحكم فيها عن بُعد، بحيث توجهها - عبر أجهزة الإعلام التي تسيطر عليها - لتحقيق أهداف سياسية، على رأسها تسديد أهداف في مرمى فرق كرة القدم المنافسة، بدلا من تسديد هذه الأهداف في مرمى المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها شعوبها.
ولا أحد يستطيع أن ينكر أن كرة القدم التي لم يعرفها العالم العربي إلا في بدايات القرن الماضي، تدين للصحف وأجهزة الإعلام بالجانب الأكبر من جماهيريتها الكاسحة، وحتى منتصف ذلك القرن، لم تكن الصحف العربية تخصص لأخبار الرياضة البدنية سوى عمود أو عمودين من صفحتها قبل الأخيرة، التي كانت تخصص للوفيات والتعازي والمشاطرات، وهي مساحة قليلة كانت تشغلها في الغالب أنباء رياضات أخرى مثل حمل الأثقال والسباحة وسباق الخيل والهجن والشيش، تجذب اهتمام الرياضيين العرب، لأنها أقرب إلى الموروث الرياضي العربي، ولم تعرف مصر إذاعة مباريات كرة القدم عبر محطة الإذاعة اللاسلكية للحكومة الملكية إلا بعد تنظيم مباريات الدوري العام في نهاية الأربعينيات، وكان التليفزيون - الذي عرفه العالم العربي في نهاية الخمسينيات - هو صاحب الفضل الأكبر في تأسيس أجيال مشجعى كرة القدم، التي بدأت تتابع المباريات منذ طفولتها على شاشته، وحل الانتماء إلى روابط مشجعي كرة القدم، محل الانتماء للأحزاب السياسية، التي اختفت في ظل زحف الثورات الوطنية والقومية على خريطة الأمة العربية... واختفت قصائد «أحمد شوقي» و«حافظ إبراهيم» و«خليل مطران» من الصفحة الأولى للصحف التي كانت تشغلها في بداية القرن، بينما انتقلت أخبار كرة القدم من الصفحة قبل الأخيرة لتتصدر مانشتات هذه الصحف.
وضاعت سدى اعتراضات بعض مفردات من جيلنا، بأن الجماهيرية الكاسحة التي حققتها كرة القدم، لا تضيف طاقة إيجابية لمشجعي هذه اللعبة، إذ هم لا يمارسون الرياضة، ولكنهم يتفرجون عليها فقط، وأن على الدولة أن تشجع الأجيال الجديدة على ممارسة الرياضة، وليس مجرد «التفرج» عليها.
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، سافرت إلى الجزائر لكي أشارك - ضمن وفد مصري - في مؤتمر الكتاب والأدباء العرب، حضرته وفود من كل الدول العربية.. حيث أمضينا أياما نناقش فيها هموم الأمة، التى كانت -كالعادة- كثيرة ومتراكمة، وكان من بين فعاليات المؤتمر أن يسافر الشعراء منا، إلى مدينة «وهران» لكي يلقي كل منهم قصائده على مسمع جماهيرها، على أن يعودوا في اليوم التالي، وعند الفجر غادروا الفندق وهم يرتدون أفخم ملابسهم، ويحملون على أكتافهم مخالي الشعر وودعناهم إلى المطار ونحن نغبطهم على ما سوف يلقونه من حفاوة - وتصفيق - الجماهير الغفيرة التي سوف تحتشد لسماعهم، وكنا لانزال نتناول العشاء في مطعم الفندق، حين دخلوا علينا وهم أشبه بفلول جيش مهزوم، وقد تمزقت ملابس بعضهم، وترك البعض مخلاة شعره وبقية أغراضه في الفندق الذي كان يفترض أن يقضوا فيه ليلتهم، وعرفنا منهم أنهم ما كادوا يدخلون إلى القاعة التي خصصت لتشنيف أسماع جماهير «وهران» بقلائد أشعارهم، حتى فوجئوا بأنها خالية تماما من الجماهير التي كانوا يتوقعون أن تحتشد لكي تستقبلهم بالتصفيق الحاد والمتصل، واعتذر لهم المنظمون بأن مواطني المدينة جميعهم، يلتزمون - في هذا التوقيت - بيوتهم لكى يتابعوا - على شاشات التليفزيون - مباراة في كرة القدم تجري بين الفريق الجزائري وإحدى الفرق الأجنبية.
وما كاد الشعراء يعلمون - بعد أن طال الوقت دون أن يحضر أحد - أن الطائرة التي جاءت بهم سوف تعود إلى العاصمة بعد نصف ساعة، حتى اندفعوا في نفس واحد، يعدون بأقصى سرعة، حتى يدركوها، قبل أن يضطروا للمبيت في مدينة فضل أهلها أن يحتفظوا بتصفيقهم لفريق كرة القدم، وليس لفريق الشعراء.
وما أن انتهى الشعراء من رواية فصول المأساة التي تعرضوا لها، حتى اندفعنا نضحك ونشد عليهم المسخرة، ليرتفع وسط الضحكات صوت القاص والروائى الفلسطيني «رشاد أبوشاور» قائلا:
- أمة لا توحدها إلا المساخر!
ولأننا كنا نفضل أن توحد مثل هذا النوع من المساخر الأمة، بدلاً من أن تشرذمها.. مساخر من نوع آخر، فقد كففنا عن الضحك.

ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها