النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

معركة «شد الحبل» بين إيران وترامب

رابط مختصر
العدد 10170 السبت 11 فبراير 2017 الموافق 14 جمادى الأولى 1438

بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معركة صعبة ومبكرة ضد إيران، وشن هجومًا عليها وسرعان ما تبعه هجمات أخرى متلاحقة من أركان إدارته ضد «جمهورية فارس»، التي اغترت كثيرًا بسنوات باراك أوباما، عندما حصلت على الاتفاق النووي بمباركة مجموعة الدول (5+1)، وهو الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة ودعمت كافة مراحله حتي أنها هي التي مهدت لتوقيعه بعدما مر بمراحل تفاوض صعبة. وكانت إدارة أوباما تسعى جاهدة لإزالة كل الخلافات بين المتفاوضين، بل كانت في عجلة من أمرها لتوقيع الاتفاق، بصورة جعلتنا نشك في نواياها تجاه منطقتنا، وكان معنا كل الحق في هذه الشكوك، فسرعان ما استغلت إيران هذا الاتفاق لتعلي من نبرة تهديداتها لدول المنطقة، ولتصعد من تدخلاتها في شؤوننا الداخلية، ولتمد ذراعها العسكري لسوريا واليمن والعراق ناهيك عن ابنتها بالتبني لبنان.
نقول إن المعركة بين ترامب وإيران لا تزال في بداياتها ومراحلها الأولي، مما يجعلنا ألا نسرع الخطي ونعلن مباركتنا لها، فما زال الوقت مبكرًا لحكمنا، رغم يقيننا أنه - أي ترامب - ربما يكون واثقًا من نفسه في اتخاذ القرارات وعدم التراجع فيها مثلما كان الحال في منع قراره الرافض استقبال رعايا بعض الدول، لأن التراجع هنا كان ناجمًا عن قرار قضائي، أي خطأ ليس جوهريًا ارتكبه ترامب في إعلانه منع دخول هؤلاء، ولم ينتظر الإجراءات الرسمية لاتخاذها من قبل إدارة الهجرة الأمريكية.
وربما من مبعث عدم استعجالنا في مباركة تصريحات ترامب المعادية لإيران، هو خبرتنا بالسياسة الأمريكية، فهي سياسة تبنى دائمًا على المصالح، ليست المصالح المشتركة ولكن مصالح أمريكا فقط، فربما يكون من مصلحة ترامب في الوقت الراهن محاباة إسرائيل، فيسرع بمهاجمة السياسات الإيرانية في المنطقة ويبدأ من تجربة طهران للصاروخ البالستي ودعمها المتمردين الحوثيين في اليمن الذي استهدفوا مؤخرًا فرقاطة سعودية.. وربما يكون ترامب قد رأى هذا مقابل تراجعه عن تنفيذ وعده الانتخابي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهو القرار الصعب علي واشنطن اتخاذه وتم تأجيله في كل الإدارات الأمريكية المختلفة، وبالتالي اكتشف ترامب أن هذا الوعد صعب التنفيذ، ومن ثم سيترك وزارة الخارجية الأمريكية لتجديد موقفها السابق وهو تأجيل نقل السفارة كما فعلت على مدى السنوات الماضية.
نعود إلى المعركة التي بدأها ترامب ضد إيران، وهي معركة كان يجب أن يشنها لأنه لو تراجع عنها لتمادت التحديات الإيرانية للولايات المتحدة، ورأينا كيف حذر نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس إيران من «اختبار حزم» إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعد أيام من فرض واشنطن مجموعة من العقوبات الجديدة على طهران عقب إجرائها تجربة الصاروخ الباليستي.. ويزيد هذا التصعيد من جانب واشنطن تدهورالعلاقات بين البلدين منذ تولي ترامب مهام الرئاسة الشهر الماضي، عل خلفية تهديد الرئيس الأمريكي بتبني موقف متشدد من إيران التي يرى أنها «عدائية» تجاه الولايات المتحدة. ولنا أن نتمعن جيدًا في كلمات نائب الرئيس الأمريكي: «سيكون من الأفضل لإيران أن تدرك أن هناك رئيسًا جديدًا في المكتب البيضاوي، وألا تختبر حزم هذا الرئيس الجديد». وأضاف: «الايرانيون حصلوا على اتفاق مع المجتمع الدولي نعتقد - الرئيس وأنا وإدارتنا- أنه اتفاق سيئ للغاية». وتأتي تصريحات بينس بعد أيام من إعلان وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس أن «ايران هي أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم». ورغم ان ماتيس ووزير الخارجية ريكس تيلرسون قالا: «إن الولايات المتحدة ستلتزم بالاتفاق»، إلا أن بينس أبدى شكوكًا حيال ذلك قائلاً: «نجري تقييمًا لذلك في الوقت الحالي».
هذه التصريحات الأمريكية المتشددة حيال إيران، دفعت بالفعل جميع مستشاري ترامب الإسراع بطلب عقد اجتماع عاجل بحضور الرئيس لاتخاذ قرار يكون مضمونه متشددًا ويؤكد للساسة الإيرانيين بشكل لا لبس أن هذا الرئيس الأمريكي حازم جدا لدرجة ترتب على إيران التفكير مرتين بشأن مواصلة أعمالها العدائية«، علما بأن العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية الجديدة علي إيران عقب تجربتها الصاروخ الباليستي مجرد بداية وليست نهاية الطريق في التصعيد.. فوفا للبيت الأبيض».
كل الخيارات مطروحة على الطاولة «بما في ذلك الخيار العسكري».
وإذا استثنينا ما سبق من مواقف أمريكية متشددة حيال طهران، فأمامنا موقف أشد جاء على لسان مايكل فلين مستشار الأمن القومي الأمريكي، والذي قد نأخذه علي محمل الجد، لأنه شخص يدرك معني كلماته وتهديداته، خاصة وأن تحذيره لإيران كان واضحا وليس مجرد تصريحات حيث اتخذ درجة تصعيد أخري بقوله: «إيران بشأن أعمالها الأخيرة٬ ومن ضمنها إطلاق صاروخ باليستي وهجوم المسلحين الحوثيين المدعومين من إيران ضد سفينة تابعة للبحرية السعودية ٬ تقوض الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط«.. ولنا أن نعلم أن إطلاق الصاورخ الباليستي الأخير قد مثل تحديا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 الذي يدعو إيران إلى»عدم القيام بأي أنشطة تتعلق بالصواريخ الباليستية المصممة لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية بما في ذلك إطلاقها باستخدام تقنية الصواريخ الباليستية.
والسؤال هنا، هل لنا أن نتوقع في ظل هذه التصريحات والمواقف الأمريكية الجديدة، أن تتخلي واشنطن عن التزاماتها بموجب الاتفاق التاريخي الذي أبرم بين إيران والقوى الكبرى عام 2015، وقلصت إيران بموجبه نشاطاتها النووية مقابل رفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها؟ خاصة في ظل أن واشنطن وطهران تتجهان نحو اختبار قوة حقيقي. ولكن ثمة مشكلة خطيرة في هذه الحالة، لأن أي اختبار قوة بين الطرفين سيؤثر علي المنطقة استراتيجيًا وعسكريًا، خاصة لو كانت مياه الخليج هي ساحة هذا الاختبار المحتمل. والساحة الثانية قد تكون الأراضي اليمنية، وهذا ما أعلنته مجلة فورين بوليسي «الأمريكية في إشارتها الي طبيعة الخلاف الحالي بين أمريكا وإيران. وما كشفته المجلة نقلا عن مناقشات مستشاري الأمن القومي الأمريكي، يشير الي أن اليمن ستكون الساحة الأولي للمواجهة بين الجانبين، في إطار رغبة ترامب الحالية في القضاء على الطموح الإيراني في المنطقة.
وإن كنا قد تساءلنا عن خلفية المواقف الأمريكية، فتساؤلنا التالي، كيف نستفيد كشعوب وقادة منطقة من هذه المواقف الأمريكية التي افتقدناها طوال فترة باراك أوباما، فما شاهدناه في واشنطن من تشدد حيال الدولة الإيرانية يجب استغلاله جيدا والبناء عليه في الوقت الراهن وعدم تضييع الفرص، حتي وإن كنا لا زلنا نتذكر تصريحات ترامب أثناء الحملة الانتخابية بأنه علي دول المنطقة أن تدفع ثمن حماية أمريكا لها، فربما أيضًا أراد بهذه التصريحات دغدغة مشاعر الناخب الأمريكي ليصوت له في معركة الانتخابات ضد منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون.  ونحن نتمني في ظل هذه الأجواء الساخنة، أن نكون مخطئين في حكمنا علي ترامب، ولعل خطوات إدارته المشار إليها تكون مقدمة لمواقف أكثر تشددا ضد إيران بما يوقف تخريبها وتدميرها لدول المنطقة التي احتلتها علي الأقل سياسيا، بدعمها بعض قياداتها – سوريا والعراق واليمن. ونعلم أيضًا أن ترامب يركز حاليًا علي القضاء علي الإرهاب الإيراني، ونقتبس هنا بتصريحات مايكل فلين التي هاجم فيها إيران، مؤكدا أنه مع إدارة ترامب، فقد ولي زمن غض الطرف عن تصرفاتها العدائية تجاهنا والمجتمع الدولي.
لقد بدأت فعلا معركة «شد الحبل» بين إدارة ترامب وإيران، أو مرحلة «عض الأصابع» بين الطرفين ولا ندري من سيحقق النصر فيها، وإن كنا نأمل أن تكون الإدارة الأمريكية الجديدة أشد حزما وقوة في إدارة معاركها مع طهران لتنسينا رعونة الإدارة السابقة، هذا في ظل أن قادة إيران ليسوا بالأغبياء كي يستفزوا إدارة أمريكية جديدة تتربص بهم وتنتظر منهم أن يبتزوها بأي موقف مبالغ فيه.. خاصة وأن «الثعلب» علي أكبر ولاياتي المستشار السياسي للمرشد الأعلي في إيران علي خامنئي، رد علي التهديدات الأمريكية واستهان بها، وقال: «ليست المرة الأولى التي يقوم بها شخص يفتقد إلى الخبرة بتهديد إيران، وعلى الأمريكيين ألا يطلقوا التهديدات الفارغة وعليهم أن يعوا أن إيران أكبر قوّة في المنطقة. وهذا التصريح لولاياتي هو الذي أطلق الحرب بين العاصمتين فعلا، وليس تهديدات ترامب وأعضاء إدارته، لأن قبلت دخول اللعبة ومسايرة الأمريكيين في المواجهة».
فالإيرانيون بغض النظر عن مدى تحقيقهم الهدف العسكري من اطلاق الصاروخ، إلا أنهم أيضًا حققوا هدفًا أخر أكثر أهمية لهم، وهو اختبار واشنطن ورؤية رد فعلها، أي أن الإيرانيين هم الذين بدأوا الاختبار.
وقبل الختام، نعلم أن إدارة ترامب أدركت سبب البلاء والإرهاب في المنطقة، وهو التمدد الإيراني في اليمن وسوريا والعراق والتهديد المتكرر بإغلان مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية المسؤول عن مرور معظم صادرات النفط العالمية، ناهيك عن التهديد بإشعال باب المندب، ولكن تلك الإدارة تكتفي حتي اليوم بالضجيج، حتي وإن هددت على لسان كل مسؤوليها بداية من ترامب نفسه علي تويتر مرورا بوزرائه ومستشار الأمن القومي. ثم ماذا سيفعل ترامب في منطقة أصبح الجميع يتنازع للسيطرة عليها، روسيا والصين وتركيا وإيران، كل هذا يحدث وأمريكا غائبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها