النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    6:15AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عن الكراهية!!

رابط مختصر
العدد 10167 الأربعاء 8 فبراير 2017 الموافق 11 جمادى الأولى 1438

لا يحتاج منا الحديث عن الكراهية، باعتبارها وصفة سحرية لتدمير النسيج الاجتماعي في أي بلد ودك أساسته بلا هوادة، أن نقول كما قال الكاتب سلمان سالم في مقاله المعنون بـ«الكراهية وتداعياتها الخطيرة» والمنشور في جريدة الوسط يوم الخميس الماضي «الذكي العاقل والذي لا يتمتع بالوعي الحقيقي يترفع عن الكراهية بكل أنواعها الممقوتة، الطائفية والمذهبية والعرقية..»، ذلك أن مثل هذا القول من تحصيل الحاصل ولا يضيف إلى الجهد المجتمعي المنصرف إلى محاربة رذيلة الكراهية شيئًا، لأنه لا يقدم تحليلاً وإنما يتدثر بلبوس وعظي وبنفس منبري ليقيم علاقة خطابية مع قراء يفترض فيهم الخطيب عوجًا. ولو عالجنا بشيء من المنطق مثل هذا الكلام فسنصطدم بالسؤال الآتي: «هل يحتاج العاقل، طالما أنه عاقل، أن يذكر بأن الكراهية معول يهدم وحدة المجتمعات؟ وكيف إذا ما عرفت أن هذا العاقل متصف بالذكاء كما يقول الكاتب! نحن، بمعنى أدق، في حاجة إلى أن نعيد الاتزان إلى من فقد صوابه لسبب من الأسباب، حتى يتمكن من الترفع على الكراهية ضد غيره.. كيف ذلك؟ هذا ما يجب علينا، مجتمعًا ومؤسسات، البحث فيه وعنه».
غير أني لو أحلتك قارئي الكريم إلى مقال آخر نشر يوم الاثنين الماضي للكاتب كمال الذيب، وفيه تناول الموضوع ذاته والكراهية عينها، في مقال بعنوان «اللعب بأدمغة الشباب.. نحو مواجهة مؤسسة الكراهية والشحن الطائفي» فإنك سترى الفرق الشاسع في طريقة التناول ومنهجيته. الكاتب الأول يخاطب العاطفة فيثير انفعالاً ظرفيًا سرعان ما يزول إذا ما اخضع الخطاب لمنطق التحليل العقلي الرصين. أما المقال الثاني فيشرح الظاهرة ويقود قارئه إلى الأسباب التي جعلتها تغدو ظاهرة مدمرة في المجتمع، وفق نسق من التحليل، عقلي منطقي، أحكم فيه صاحبه رصف الحجج والأدلة الهادية إلى تبني موقف عقلي من ظاهرة تشير كل القرائن إلى أن منبعه واحد وإن تعددت أشكاله وألوانه.
 وكي لا يحمل قولي على غير وجهه، فيظن أني ممن يتصورون الكراهية من العيوب الاجتماعية المغروسة في صلب التعامل بين أفراد مجتمعنا البحريني، أو أنها من المشاعر الغائرة في وجدان البعض منا اختزنوها منذ القدم ضد فئة أخرى من فئات الفسيفساء الإثنية والمذهبية المشكلة للمشهدية المجتمعية البحرينية، وقد جاء اليوم الذي ترجمت فيه تلك المشاعر سلوكًا عنيفًا يشوه ما في اللوحة الاجتماعية من جمال لا سمح الله، فقد ارتأيت أن أوضح هنا، بعد قراءة المقالين المذكورين سابقًا، وعدد من المقالات الأخرى التي تناول فيها بعضهم هذه الظاهرة بشيء من الإسراف في التشاؤم حينا، وبشيء من الملامسة السطحية التي لا تقدم ولا تؤخر حينًا آخر، وبنفس وثوقي يرى في الكراهية سمة من سمات مجموعات دون أخرى سواء أكانت هذه المجموعات بشرية أو دينية أو مذهبية.
 هذه الخلاصة السريعة لما كتب في الكراهية تبين لنا عمق الحاجة إلى مساءلة أعمق لظاهرة اجتماعية طارئة، ولم تكن مطروحة في سياق اجتماعي بنى قيمه ونماذجه العليا ومرجعياته السلوكية على مدى عقود من الزمن من خلال ترسيخ قيم الاحترام والتسامح والتعايش والحق في الاختلاف. ومن ثم فالمنطق السليم يقتضي أن هذا السياق الاجتماعي الذي ورثناه من الآباء والأجداد، هو الذي ينبغي أن نبني عليه ونطوره في ضوء المتغيرات السياسية والثقافية لنبعد شبح العنف والتعصب والكراهية والحقد والفتنة عن نسيجنا الاجتماعي.
 لا جدال في ضرورة التصدي الدائم لبذور الكراهية ومواجهتها قبل أن تنمو وتترعرع وتأخذ ركنها الركين في التداول الاجتماعي وفي الثقافة الإعلامية لدى البعض ممن جعلوا منها أحد الأسلحة التي يفجرون بها النسيج المجتمعي من الداخل. من أجل هذا يجب أن نتفق بأن مجال تحرك الكراهية هو وأد العقل وإذكاء العاطفة، فالكراهية لا تنتعش إلا إذا غيب العقل وقبر المنطق واغتيلت الفلسفة واستبعد العلم، الكراهية تتخذ من الوجدان والعاطفة مجالاً حيويًا تنتعش فيه حتى تأخذ مداها لتتفجر عنفًا، ولذلك لا يمكن إطفاء نيران الكراهية أو على الأقل التخفيف من وطأتها ووقعها إلا عبر استئصالها من سياقاتها العاطفية، وفرض تعاط عقلاني معها ينبغي أن تجند له كافة وسائل الخطاب الموجه. علينا أن ندرك أن الكراهية إذا خرجت من حدود العاطفة المكبوتة إلى حيز الجهر، فإنها، لا ريب، ستتحول مع الأيام تدريجيًا، إلى سلوك يتجسد عنفًا للتعبير عن نفسه في المشهد الاجتماعي.
 لقد أضحت هذه الكراهية التي نتحدث عنها، والتي، كما قلنا، تتجسد عنفا للتعبير عن نفسها، سيدة الموقف في الإعلام الموجه ضد سياقنا الوطني، وبدأت تقفز إلى السطح الاجتماعي كارتداد للأحداث الشريرة التي وقعت في عام 2011، لتظهر على السطح ما كان مكتومًا من زرع توهم زراعه أنه قد أينع وحان وقت قطافه تدميرًا لنسيج بحريني سفه قديما أحلام كل الطامعين بما تربى عليه من قيم بنت تلاحمًا مواطنيا فريدًا.
 تنبئنا اللغة وكذا العقل أن لمفردة الكراهية كشعور وجداني نقيضًا هو المحبة أو الحب. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل إذا انتفت هذه المحبة أو الحب بين الجماعات في مجتمع ما فإن الكراهية تصبح حاكمًا للعلاقات الإنسانية في هذا المجتمع أو ذاك، ويتعذر على المجتمع أن يمضي في بناء نفسه؟ في ظني أن الأمور لا ينبغي أن تتناول بهذا الشكل فلا يمكن هدم موئل الكراهية وتفتيت مقوماتها بمجرد الركون إلى ضدها اللغوي والوجداني، فالحب على تقديرنا لدوره حالة مآل ونتيجة منطقية لبيئة آمنة تتوافر فيها شروط السعادة الإنسانية بما هي حلم فلسفي مثالي، ولا يمكن أن يكون السلاح الأمثل لمواجهة الكراهية، فها هي المجتمعات الغربية على سبيل المثال، وعلى ما رحبت به من إنجازات بلغوا بها أوج التقدم تعطي الدليل على أن فقدان المحبة بحد ذاته لا يولد الكراهية إذا ما عملت إلى جانب ثنائية المحبة والكراهية، على غرس قيم التسامح وقبول الآخر والاحترام. ما نؤكد عليه هو أن العمل سوية لمكافحة وباء الكراهية الذي ينخر أساسات المجتمع بداية، ويمتد منها إلى تفتيت المجتمع وضرب ترابطه ووحدته الاجتماعية انتهاء، واجب اجتماعي وفرض حضاري وحق أساسي من حقوق الأجيال القادمة علينا كي تنشأ في مناخ سليم يضمن لمجتمعنا امتداده وسيرورته التاريخية.
 فالوطنية الحقة تحملنا جميعًا مسؤولية أن تتكتل كافة وسائل الإعلام ضد هذا الوباء الاجتماعي لمحاربته من خلال فتح نوافذ على المصطلحات المساعدة على إبعاد شبح الكراهية مثل: التسامح، التعايش، الاحترام، كما قلنا آنفًا، وتسليط الضوء عليها بديلاً عن ثنائية الكراهية والمحبة، ومن خلال إعلاء صوت العقل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا