النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

مطارحات

مآلات وهمية مظللة الانتقال الديمقراطي هل يمكن إنجازه دفعة واحدة؟

رابط مختصر
العدد 10167 الأربعاء 8 فبراير 2017 الموافق 11 جمادى الأولى 1438

من حالة «لا ديمقراطية» إلى «ديمقراطية كاملة»، هل هذا ممكن عمليًا في بلداننا؟ وهل هذا النوع من التحول قابل للإنجاز وللاستمرار؟ هل يمكن الانطلاق نحو ديمقراطية كاملة على النمط الغربي على سبيل المثال؟
أسئلة مهمة جوابها مدار نقاشات مطولة ذات طابع فكري وسياسي - اجتماعي في ذات الوقت، فأغلب التوجهات في هذا المجال تميل إلى المرحلية كآلية للانتقال من حالة اللاديمقراطية إلى الديمقراطية الكاملة والتي لا تقتصر على الانتخابات والتداول السلمي على السلطة، بل ترتبط بنشر وانتشار الثقافة الديمقراطية بكافة مكوناتها الثقافية والسياسية والحقوقية.
إن القفز من حالة اللاديمقراطية إلى حالة الديمقراطية الكاملة غير ممكن من الناحية العملية، وحتى في حالة الثورات التي لا تبقي ولا تذر لا يمكن تحقيق هذا التطلع، لأن الحالة الثورية غالبًا ما ترتبط بالفوضى والاعتداء والانتقام، وبالتالي يتم إحلال ما يسمى بالديمقراطية الثورية محل الحالة السابقة، وهي في الغالب حالة معادية للحريات وللديمقراطية ولحقوق الانسان عامة. ولذلك فإن الانتقال الى الديمقراطية يجب ان ينظر اليه على انه مسار طويل المدى، لأن الديمقراطية لا يمكن ان يكون استنادًا الى مجرد قرار او تحول مفاجئ وفوري بمجرد الإرادة السياسية.
إن الإصلاح السياسي مرحلة من ضمن مراحل البناء المؤسسي للديمقراطية، حيث لا يمكن الحصول على الديمقراطية دفعة واحدة، فما نحصل عليه او نحققه في كل مرحلة (وبشكل سلمي ومؤسسي) لا يمكن ان يكون كل الديمقراطية، بل مجرد خطوة في الطريق الصحيح، ولذلك فإن الذين ساهموا - بقصد او بغير قصد في ارباك الإصلاح - قد ساهموا من دون ان يشعروا في التعثر.
كما أن الاعتقاد بنظرية «الآن وهنا» (مثلما حدث في حالة دول ثورات الربيع العربي) بينت التجربة على الأرض ان هذا الاعتقاد كان مجرد وهم، ويكفي أن نحيل إلى ما آل اليه الامر في النهاية من فوضى واقتتال وحتى لسقوط الدولة في ذاتها (وليس النظام) في الحالتين الليبية والسورية، حيث تحول مضمون الديمقراطية الى مجرد شعارات ودعوات وهمية ومظللة، في ظل هذه النظرية الفورية، وفي ظل سيطرة الثقافة المجتمعية الخالية تمامًا من الروح الديمقراطي سواء على مستوى التربية الأسرية او أو على مستوى الثقافة التربوية أو الدينية.
إن العمل الديمقراطي سيرورة (process) يبنى لبنة لبنة، تخوضه الدولة بكافة أجهزتها، والمجتمع بكافة قواه المدنية، حتى يخلقا الرافعة المشتركة التي من شانها المساعدة على التقدم نحو المعادلة الديمقراطية المناسبة للحظة التاريخية، فالتحول الديمقراطي الحقيقي هو الذي يتم نسج حلقاته، بالتوازي مع الإصلاح السياسي وتطوير المنظومة المجتمعية والثقافية والاقتصادية، وانعكاس ذك كله على سلوك الرد والجماعات. ولذلك لا يمكن تعليق التحول على مجرد الرغبة التي تعبر عنها الجمعيات السياسية في شكل شعارات وبيانات ووثائق نظرية، وذلك لأن الديمقراطية لا يمكن أن تنشأ من مجرد توافقات سياسية مثلما تعتقد بعض الجمعيات السياسية المعارضة.
ولاشك هنا أن المجتمع المدني يلعب الدور الأكبر في بناء الثقافة الديمقراطية وتأسيس التوجه الديمقراطي في النهاية، ولذلك يمثل اليوم تحديًا مفهوميًا ومعرفيًا جديدًا لثقافتنا السائدة، لا فقط لغياب تقاليد الحرية والاختلاف والتسامح والمواطنة، من خلال السعي لإسقاط المفهوم على الواقع بمنطق مفارق له، لا يأخذ بالاعتبار خصوصية العلاقة بين السياسة والدين، وجدلية المراحل في بناء الديمقراطية، إذ إن هشاشة التجارب في الحقل الثقافي والسياسي عندنا ترجع لأسباب عديدة، من أهمها غياب الفهم الواقعي لطبيعة السياسة والاجتماع والخلط بين علاقة الدين بالسياسة، وعلاقة الدين بالدولة، سواء من ناحية عقلنة المؤسسات المدنية، أو عدم انخراط المثقفين في مختلف جبهات التحديث الاجتماعي «الجمعيات والمؤسسات الإعلامية المنظمات المهنية والسياسية...». وسلطة المجتمع في فرض مشروعية الدولة، والفصل بين السلطات، وإشاعة ثقافة التعددية وحرية التعبير والفكر والمعتقد وحرمة المواطن وقدسية الوطن، ولكن هذه السلطة المجتمعية لا تتكرس إلا في مؤسسات وقوانين، تعبر عن حل وسط تاريخي بين مكونات المجتمع.
وهذا كله لن يكون ممكنا فعليًا إلا إذا توفقنا إلى مقاربة شاملة للمشاركة السياسية، ودور الدين في الحياة وحدود وظيفته في السياسة، إضافة إلى معنى المواطنة وشروطها، فكلما تأخر المجتمع المدني في التشكل والوجود وامتلاك القدرة على التصدي لإشكالات الديمقراطية والأيديولوجية الدينية وحقوق الإنسان، تفاقمت المشكلات وتأخر تحقيق المأمول، لأن المجتمع المدني هو مطلب تاريخي لا مفر منه، يتحمل فيه المثقفون وقوى المجتمع السياسي المسؤولية الأولى عندما يتخلصون من الاستقالة من الشأن العام ولوثة الأيديولوجيا الطوباوية، ونزعة التبعية بكافة أشكالها وأولها سلطة المرجعية الدينية التي تجعل أي ثقافة ديمقراطية من دون معنى، ومن دون محتوى على الصعيد العملي. لأنها تعمل في اتجاه معاكس لتكريس الحرية والعقلانية في السياسة والمجتمع والفكر.
في الخلاصة، إن الاعتقاد بإمكانية إنجاز الديمقراطية دفعة واحدة بمجرد استيلاء المعارضة على السلطة هو اعتقاد ساذج وغير واقعي، والأمثلة في الواقع تؤكد استحالة حدوث مثل هذا التحول الغرائبي، بل إن الحقيقة التي لا شك فيها أن الديمقراطية بناء تدريجي وحضاري لا علاقة له بالضرورة بالصراع على السلطة، بقدر ما له علاقة بنشر القيم الحرية والمواطنة المتساوية، بكافة مكوناتها. وهذا يتطلب المزيد من التراكم في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي والتربوي، لكي تتحول الديمقراطية إلى ثقافة وسلوك وإلى جزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي بكافة عناوينه.

همس
نتوزع ذكرياتنا بالتساوي بين أجراس الشوق وموسيقى الصقيع،
تقودني ثلوج الحيرة الى بحيرة الضمأ، كالطيور ازدحمت بها شرفات العيون،
أنا وأنت نبحث عن البرودة الدافئة، في انتظار انتهاء اللحن، لنغادر البرودة أطراف أيامنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها